هذه الحروف وأنها واسطة دين حروف أم الكتاب وحروف القرآن والله أعلم ، وهي
عبارة وحي وصفة لتنزيل القرآن ، ووصف لما هنالك من العلاء والعظمة ، ومن
توصيل الوحي وتفصيله ، وإيصال الوحي إلى قلوب الأنبياء ، والفهم إلى قلوب
المؤمنين لو عبر عنها بعبارة ظاهرة لبدا من سر الإيحاء ما لم يشأ الله إبداءه ، نظم ما
هو تنزيل له وتبيين قوله: (كَذَلِكَ يُوحَى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ...(3) . وقرئ
(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3)
اسمه الله رفع إما على القراءة الأولى: فلأنه فاعل الإيحاء ، وعلى الثانية: فعلى
الإعلام بأنه (الله العَزِيز الحَكِيم) .
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (5)
هذا منتظم بما في قوله: (حم(1) عسق (2) . من
معنى تتفطرن من فوقهن ؛ أي: من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة ، فتكاد أن
تتفطرن لما يرد عليهن من علو .
(وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) هذا كله من
تسبيح الملائكة وتحميدهم واستغفارهم لمن في الأرض لما يشاهدونه من عظمة
ذي الكبرياء وجلال ذي الجبروت ، فعيشهم في التسبيح والتحميد الليل والنهار لا
يفترون ، وذكر الليل والنهار فيما هنالك على المعهود فيما هاهنا وإلا فليس عند
ربكم ليل ولا نهار ، وقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) لم يشأ الله
-جلَّ جلالُه - كون شيء إلا وقيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه ، وكذلك في إبقاء ما
شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه ، فقيض - سبحانه وله الحمد - ملائكة السماوات