فهرس الكتاب

الصفحة 1492 من 2809

الصدور فيما بين هذا وهذا ، ألم تر إلى ربك كيف شبه إنزال القرآن بإنزاله الماء من

السماء ؟ وفي أعلى الماء الزبد والطحلب ؛ وفيه الحمأة الأرضية ؛ وإنما الصافي الذي

فيه الشفاء والعافية من ذلك ، فألقن عن ربك ، كذلك الموجودات في دار الدنيا

قسمها خالقها إلى قسمين ذكر وفتنة ، فاعبر من الفتنة إلى الذكر ، ومن الشبه

والضلال إلى خالص النور والذكر والهداية .

نظم ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا

حَسَنًا ... (67) . يقول والله أعلم بما ينزل: إن في ظاهر ما ترونه من ثمرات

النخيل والأعناب باطنًا هو سقر وهو الخمر ، ورزقًا حسنًا ما تسمونه وتدخرونه زبيبًا

وتمرًا ، وغير ذلك من المدخرات ، كذلك في ظواهر الموجودات بواطن هي خلاف

ما يبدو لكم منها معجبة كذلك في الوحي باطن يبدو مع الفكر ، وترداد التدبر

والمراقبة مع الصبر وطول المثابرة ، وربما عرض بقوله: (تَتَّخِذُونَ) إلى ترداد

التفكر والتدبر والصبر ، فالله أْعلم .

فكما أن السكر والرزق الحسن المدخر من ثمرات النخيل والأعناب لا يتخيل

إلا بمعاناة: وصبر ، وكذلك العلم لا يتخيل عن الوحي وظاهر الوجود إلا بالمعاناة

ومقاساة الصبر ، وتكرير الفكر على الذكر أو الذكر على الفكر ، لذلك وهو أعلم بما

ينزل قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67) . أي: يعقلون البواطن من

الظواهر .

قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68) .

يريد: من بناء وبيوت وغير ذلك (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ

الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ... (69) . يمكن أن يكون المراد بقوله: (فَاسْلُكِي)

مخاطبة النحل ، ويمكن أن يكون المراد الثمرات المأكولات ، أي: اسلكي سبل ربك

في الخلقة ، ثم أخبر عما يخرج من النحل بقوله:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ

أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت