الصدور فيما بين هذا وهذا ، ألم تر إلى ربك كيف شبه إنزال القرآن بإنزاله الماء من
السماء ؟ وفي أعلى الماء الزبد والطحلب ؛ وفيه الحمأة الأرضية ؛ وإنما الصافي الذي
فيه الشفاء والعافية من ذلك ، فألقن عن ربك ، كذلك الموجودات في دار الدنيا
قسمها خالقها إلى قسمين ذكر وفتنة ، فاعبر من الفتنة إلى الذكر ، ومن الشبه
والضلال إلى خالص النور والذكر والهداية .
نظم ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا
حَسَنًا ... (67) . يقول والله أعلم بما ينزل: إن في ظاهر ما ترونه من ثمرات
النخيل والأعناب باطنًا هو سقر وهو الخمر ، ورزقًا حسنًا ما تسمونه وتدخرونه زبيبًا
وتمرًا ، وغير ذلك من المدخرات ، كذلك في ظواهر الموجودات بواطن هي خلاف
ما يبدو لكم منها معجبة كذلك في الوحي باطن يبدو مع الفكر ، وترداد التدبر
والمراقبة مع الصبر وطول المثابرة ، وربما عرض بقوله: (تَتَّخِذُونَ) إلى ترداد
التفكر والتدبر والصبر ، فالله أْعلم .
فكما أن السكر والرزق الحسن المدخر من ثمرات النخيل والأعناب لا يتخيل
إلا بمعاناة: وصبر ، وكذلك العلم لا يتخيل عن الوحي وظاهر الوجود إلا بالمعاناة
ومقاساة الصبر ، وتكرير الفكر على الذكر أو الذكر على الفكر ، لذلك وهو أعلم بما
ينزل قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67) . أي: يعقلون البواطن من
الظواهر .
قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68) .
يريد: من بناء وبيوت وغير ذلك (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ
الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ... (69) . يمكن أن يكون المراد بقوله: (فَاسْلُكِي)
مخاطبة النحل ، ويمكن أن يكون المراد الثمرات المأكولات ، أي: اسلكي سبل ربك
في الخلقة ، ثم أخبر عما يخرج من النحل بقوله:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ).