على إيجاده ذلك على ذلك بأن الله هو الحق ، ومنزل الحق وجاعله ومحققه ،
وموجد الحق بالحق ، لا إله إلا هو الحق المبين الخلاق العليم .
في هذا من آداب الاعتبار أن تنظر إلى الموجودات في ظواهرها ، ثم اعبر به
من ظاهر إلى باطن ، ومن حال إلى مستقبل ، وكما مر عليك في هذا الاعتبار كذلك
لدينا ظاهر ، فاعبر إلى باطنها وهو الدار الآخرة ، كذلك الشهداء والأموات ظاهرهم
الموت ، واعبر من ظاهر ذلك إلى باطنه ، وهو حال حياتهم حينئذٍ ، فالحياة باطنة
فيهم .
قد جاء أن شجرة طوبى تنفتق الأهل الجنة عن الحلل ، وعن العرب الأتراب ،
وعن مراكب وملابس ، وعما يشتهون ، وإنما هي شجرة من كرائم الشجر في
الآخرة ، فأرجع وجه اعتبارك إلى شجر الدنيا وزروعها ونباتها وثمراتها وغير ذلك ،
وإن حلل الدنيا ومراكبها وولدانها ونساءها وكل شيء من مأكول وملبوس ومركوب
عنها ، فكذلك ما جاء من شجرد طوبى وغيرها من شجر الجنة وأرضها ، وما يكون
فيها وعنها ، غير أن هذه بأنكاد ومعالجة وصبر إلى آجال مؤقتة (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا
كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً(35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) .
قيل أيضًا: إنهن يُنشأن في سواحل الكوثر والأنهار سواه ، كذلك كانوا في
الدنيا يأكلون من الأرض وحصادها لكن على مهل وتدرج: وأتمام كلمة بسنة ،
فهكذا استقر الموجودات ، ثم اعبر مما هَاهُنَا إلى ما هنالك يصح عندك وجود ما
هنالك كأخذ باليد أو رؤية ؛ أي: بالبصر ، والله نسأله من فضله حسن المزيد وإتمام
نعمته.
وبوجه آخر: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) . علم جل ذكره صفة الاعتبار بالقرآن
وبالموجودات في دار الدنيا .
يقول وهو أعلم بما ينزل: خذوا علم القرآن من ظاهره وباطنه ، واستخرجوا
بالإيمان والهداية من اللَّه من متشابه معاني الوحي نور الألباب ، فشفى ما في