وحده دون من سواه ، هو الدين القيم وسلوك ذلك هو الصراط المستقيم( وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعلمونَ)فكان في هذه الجملة تبليغ الرسالة
وإثباتها ووراثتها له على آباء له متقدمين ، في ذلك يجب الإيمان بهم ، ثم التبليغ
عن الله - جلَّ جلالُه - ما هو أهله .
فلما فرغ - عليه السلام - من تبليغ ما أمر به أخذ في تأويل الرؤيا بقوله: (يَا صَاحِبَيِ
السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (41) إلى قوله: (تَسْتَفْتِيَانِ) وقراءة
لعكرمة:"فَيَسْقِي رَبَّهُ عِنَبًا"إن العنب هو ملآن من مائه الذي يكون خمرًا ، فقال
الرائي: إنه يعصره ، والعصر هو استخراجه من أوعيته التي هي حبوب العنب ، فأول
رؤياه له بشربها كما يفعل بإناء الماء والخمر واللبن ، يشرب ما فيه بأن يستفرغ ملء
الإناء في جوفه فيروى عن ذلك كما كان الماء ري العنب .
وعلى القراءة الأخرى: فإن حب العنب هو مخزن لمائه ، فرأى هذا الرائي أنه
يعصره ، وكان من فتيان الملك ، فتأويل رؤياه أن يكون بيده مخزن خمر الملك
يستخرجها له من أوعيتها ، ووافق ذلك منزلته من الملك ومكانته .
وأما الآخر فكان يرى أنه يحمل خبزًا على رأسه والطير تأكله ، [وخبز] الطير
اللحم ، ولا يكون حاملًا الخبز على رأسه إلا ويكون قائمًا ، ولا يكون قائمًا على
رجليه والطير تأكل لحم رأسه إلا أن يكون محبوسًا ، ولا يكون كذلك إلا أن يكون
مصلوبًا ، فقال: (وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) وهذا مما تقدم ذكره أنه
يعطى النَّبي الوحي جملة تامًا مفروغًا منه بيقينه ونوره دون فكرة منه ولا أن يروى في
شأنه ، ولذلك ختم العبارة بقوله: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) .
ألا ترى أن هذا ليس من طاقة البشر القطع بصدقها وصدق تأويله ، وإنما حد
المعبر المجيد أن يقول: إن صدقت الرؤيا فتأويلها كذا كذا والله أعلم ، وأما القطع
لصدقها وصدق تأويله إن ذلك كائن لا بد فمعجز لا ينبغي ذلك إلا له ولأمثاله في
منزلته .