بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والصفو من أمته وسلم ، الحمد لله
المتفرد بحقيقة الإلهية ، المتوحد بخالصة [الوحدانية] ، الأول دون بداية ، والآخر لا إلى
نهاية ، سبق القبل قدمه فلا قبل له ، وفات البعد بقاؤه فلا بعد له ، موجد الوجود
والعدم ، وجاعل النور والظلَم ، مقدر الكون في القدم ، ومثبته في اللوح المحفوظ
بالقلم على العرش استوى وعلى [الملأ] احتوى ، تأنى فَدَنَا ، وقرب القرب كله فلا
يرى .
يشهد النجوى ويعلم السر وأخفى ، وما تعطف له العقبى ، ولا يعزب عنه مثقال
ذرة في الأرض ولا في السماء ، لم يزل أولًا بأسمائه الحسنى ، ولا يزال آخرًا بصفاته
العُلا ، متوحدا في برهان وحدته ، متكبرًا في نعوت جلاله ، متعاليًا في بهاء جبروته ،
مرتديًا بالكبرياء ، مؤتزرًا بالعظمة ، حيًّا لا يموت ، يقظانًا لا ينام ، قيومًا لا يغفل ،
حفيظًا لا ينسى ، شهيدًا لا يغيب ، أحدًا صمدًا ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا
أَحَدٌ ) . أوجد ما شاء إيجاده بقدرته إذ شاء كيف شاء ولم يزل
مشيئًا ، وأضرب عن إيجاد ما لم يشأ إيجاده لعزته ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا )
علم الكائنات قبل كونها ، فهي عنده بعد الكون على ما قد كان
علمها ؛ إذ كان وجود كل ذي وجود في سابق علمه العَلي معلومًا ، وفي مشيئته
العالية وقدرته المحيطة مضمنًا مزمومًا مشهودًا له بجميع أوصافه الكائنة منه في
معدوم أنه أجَّل ذلك كله منه إلى آجاله ، وقدره إلى آنائه .
بدأ خلق الإنسان من الثرى ، وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ، بأن خلق له
من نفسه نعمة أخرى ، ثم جعل نسله من نطفة تمنى ماء مهيا تسللها من قرارة
معينها بين الترائب والمطي ، أقره قرارًا مكينًا في ظلمة الحشى ، مصونًا من الآفات