52 في قماط السابياء حيث لا يصل إليه لطف الأمهات والآباء، ذلك لما قد كان قدره
له وعليه من الابتلاء.
ولما صوَّره لحمًا وعظمًا أنبض فيه روح الحياة نبضًا، وكتب له هناك قدره فيه
كما سبق في علمه العلي أو مضى يقلبه في تحكيم خلقه طبقا بعد طبق في ظلمات
ثلاث خلقًا من بعد خلق، إلى أن سواه وعلمه التبيين (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الإله الحق المبين، وأن محمدًا
عبده الأمين ورسوله المكين، الآتي من عند ربه بالدين القويم، يهدي إلى الصراط
المستقيم الذي أخذ له الميثاق على الأنبياء قبله والمرسلين، ليؤمنن به ولتنصرنه
ولو بعد حين، هو الذي بشَّر به عيسى، ووُجد ذكره في صحف إبراهيم وموسى -
صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وسلام عليه وعليهم في العالمين - شهادة
مقرونه بشهادة أكبر الشاهدين.
أنزل عليه الكتاب الكريم الذي ضمنه القرآن العظيم، جعله إمامًا لكتابه
المستبين وهداية لعباده المتقين، بشيرًا ونذيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا
بواضح البرهان والتبيان (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) فرق به ما بين
الحرام والحلال، وعدق فيه صادق المقال، وضرب فيه محكم الأمثال، وأخبر بما
يكون وما قد كان (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) والله
أعلم حيث يجعل رسالاته. انتهى.
أما بعد. . . فإن الله - عز وجل - نهج سبل الهداية قاصدة إليه، وأقام أعلام الرشاد دالة
عليه، فأوجد الموجودات للمعتبرين، وأنزل الكتب للمذكرين، وأرسل الهداة أئمة
للمتقين، فاتصل بهم [الحبْل] واستبان لهم الصراط المستقيم، سلكهما أقوام ففازوا
وظفروا، وأعرض عنها آخرون فخابوا وخسروا، إلا أن قومًا أتاهم كتاب ربهم إليهم
فأضربوا عن تذكيره إياهم، والتدبر له صحفًا لقوم ساهون، وإن عبادًا جاءتهم
حكمة الله في مصنوعاته في أنفسهم وفي سواهم مما يبصرونه ومما لا يبصرون،
فلهوا عن النظر فيها والعبرة بها لعباد غافلون.
ألم يسمعوه جل ذكره يقول وقوله الصدق: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ
فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ