وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)
والإعراض عن الذكر يورث عدم الشكر، وعدم التذكر يورث الطبع على
القلوب، والغشاوة على الأبصار، والوقر في الآذان، كذلك قال: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ
حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ("مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ"
وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ). ولما علمه - جلَّ جلالُه - من إعراضهم وشمول
الغفلة على أكثرهم قال عز من قائل: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) .
فاتقى عبد ربه، وليقبل على تلاوة كتاب ربه، والنظر في عجائب
حكمته بجد من عزمه وفراغ من قلبه قبل أن تزل له قدمه فلا ينفعه إذ ذاك ندم،
وإنما يقدم هناك على ما هنا قدَّمه من عمل صالح ينبته أو نور يقين يقتبسه. انتهى.
وكتاب الله - جلَّ جلالُه - وإن كان مباينُا لكلام البشر فإنه وله الحمد قد نزله لفهم
المدكر، ولئن كان كلامًا للملك الجبار ونورًا صدر عن نور الأنوار، فإنه جل ثناؤه
قد أنار قلوب أهل الإيمان بنور الإيقان، وأحياهم بحياة العلم، وأيدهم بروح منه،
لولا ذاك ما لمحه ببصيرة مستبصر، ولا استخرج منه غامضًا عقل متفكر، نرفع في
ذلك بعضهم فوق بعض درجات لنبلوهم فيما آتاهم، وليستبقوا إليه بالخيرات،
جعلنا الله وإياكم منهم، ولا يجعل حظنا من صفاتهم وصفهم، إنه حكيم عليم، بلى
إن الإنسان خلق من الأرض ومن ممتزج ما يرد عليها من علو ومن سفل فيح وفتح.
قال الله جل من قائل:(هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي
بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).
وقال تعالى:(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ).
ولما انقسمت الآخرة إلى دارين جنة وجهنم قسم الله - جلَّ جلالُه - العالم بحكمته من
في هذه الدار قسمين: شقي وسعيد (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)
ذلك لمشيئة له في عباده، خصَّ بفضله من شاء، وأصاب [بعدْله] من شاء.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ومن أين يكون الشبه"فأعلمنا - عز وجل - بما تلوناه من كتابه،