فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 2809

والمفهوم من عليِّ خطابه إنه خلقنا من الأرض، وأنشأنا من ممتزج ما يرد عليها

ويخرج منها، ويكون عنها من أمشاج نبات وحيوان، فمن الناس من غلبت عليه في

حين تركيبه الضراوة والاستمرار على جري العادات والضراوات صفة التراب

والأرض، وجبلتها تجمد لذلك على صفاته ومعاني ذاته"فكان لذلك بليدًا جاهلًا"

متعاجزًا لا نفاذ له في الأمور.

ومنهم: من غلبت عليه صفة النبات وقواه، فكان لذلك الغالب عليه النهامة في

الأكل والشرب، والغباوة في سبل الاستجابة في الفهم وقلة الفطنة.

ومنهم: من غلبت عليه الصفة البهيمية وجبلتها، فكان الغالب عليه سوى ما

تقدم ذكره: الجهل والتهور وعدم النيل وشدة شهوة البطن والفرج، ثم هو بعد

ذلك إلى ما غلب عليه من الجنس البهيمي يميل إليه بالجبلة، فمن غلب عليه

الجنس السبعى مال إلى سفك الدماء والغضب والغلبة وسوء الانتقام وهتك الحرم

والفسق والإذاية.

وبالجملة: فإنه مائل لا محالة إلى ما غلب عليه من أجناس حيوان أو نبات ما

كان موكولًا إلى نفسه، ثم من غلبت عليه صفة العقل مالت به إلى صفات الفطنة

والفحص والتمييز للأمور الغائبة، وكان لذلك عارفًا بقدره، مميِّزًا لظواهر الأشياء

متطلعًا إلى غواشيها.

ثم من غلبت عليه الصفة الملكية كان لذلك مؤمنًا، مسلمًا، مطواعًا، كثير

الحياء، قليل الخلاف، كثير الإسعاف، راغبًا في الحقائق، مبتغيًا للإنصاف

والمحاسن، مجانبًا للقبائح، مباعدًا للرذائل، عاملًا بالعدل، مائلًا إلى الفضل

والإحسان، وهذا والذي قبله قد أماله خالقه برحمته إلى جنبة الفتح.

ثم منهم من تركبت فيه صفة الجماد والنبات والحيوان والعقل والملك وقربت

فيه من المقاومة فتركبت أْخلاقه على ذلك، وتخرجت عليه أفعاله، فبما فيه من صفة

النبات كان نهمًا جهولًا قليل الفطنة، وبما فيه من صفة التراب كان نسَّاءً كثير الغفلة

والبلادة، وبما فيه من صفة العقل كان حليمًا، وقورًا، حسن التدبير، جيِّد الرأي، فهو

لا يقدم الأمور الهائلة الأمر حيث يحسن منه المخرج وتمكن فيه العذر، صائنًا

لنفسه، لا يفعل ما هو معيب عند العقل في ستر وتجمل، ولهذه الأصول كلها التى

ذكرناها وما لم نذكر منها لها فيه أشباه، وله منها وراثة من حيث الخلقة، هذا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت