عن ذكر لأجل ذكر آخر: وهو الإخبار عن إعراضهم وهو عتوهم وعدم الاقتداء
منهم والتصديق للرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من عند الله ، والشقاق البعيد والامتناع عن
قبول الصدق من الصادقين ، وترك اتباع المهتدين ، ثم أخذ في نوع من الذكر فأخبر
-عز وجل - عن إعراضهم عن تذكيره إياهم بالقرآن ذي الذكر إلى ما هم عليه من عزة في
أنفسهم وبُعد عن قبول الحق .
ووصل ذلك بقوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ...(3) . أي: لما أخذوا مأخذ
هؤلاء ، ولما رأوا العذاب نادوا بالإيمان والتوبة (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)
وهي كلمة مركبة من كلمتين يعبر بها عن عسر النجاة وتعذر الإقالة ، والنوص يعبر
به تارة عن التقدم ، وتارة عن التأخر ، وهو كالجماح والنفار من الفرس ، ونوص
حمار الوحش: رفعه رأسه كأنه نافر جامح (وَلاتَ) للنفي ، وقد تفصل التاء من
حين وقد توصل بها ، وأصل هذه التاء هاء ، لكنها وقعت هكذا في المصحف ،
والمعنى: ولاه حين مناص .
(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ...(4) . أي: من البشر وبخاصة من العرب
ومن قريش ، يعيب تعجبهم من ذلك كيف عجبوا لهذا ولو نظروا في موجودات
السماوات والأرض لتحققوا أن ذلك من واجبات الوجود ومعهود صفات الموجد .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)
المعنى إلى آخره ، وإلى هذا (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ)
وهو لو علموا ذكرٌ لهم وشرفٌ ، فكان تعجبهم من ذلك وإبعادهم له نفارًا عما كان
يكون لهم ذكرًا وشرفًا في الدنيا والآخرة ، فعرض بالإخبار بهذا المعنى عن عظيم
قدرته ومضاء مشيئته ، كيف تساق الذوات إلى ما يسبق لهم عنده وإن كان في ذلك