فهرس الكتاب

الصفحة 2226 من 2809

عن ذكر لأجل ذكر آخر: وهو الإخبار عن إعراضهم وهو عتوهم وعدم الاقتداء

منهم والتصديق للرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من عند الله ، والشقاق البعيد والامتناع عن

قبول الصدق من الصادقين ، وترك اتباع المهتدين ، ثم أخذ في نوع من الذكر فأخبر

-عز وجل - عن إعراضهم عن تذكيره إياهم بالقرآن ذي الذكر إلى ما هم عليه من عزة في

أنفسهم وبُعد عن قبول الحق .

ووصل ذلك بقوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ...(3) . أي: لما أخذوا مأخذ

هؤلاء ، ولما رأوا العذاب نادوا بالإيمان والتوبة (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)

وهي كلمة مركبة من كلمتين يعبر بها عن عسر النجاة وتعذر الإقالة ، والنوص يعبر

به تارة عن التقدم ، وتارة عن التأخر ، وهو كالجماح والنفار من الفرس ، ونوص

حمار الوحش: رفعه رأسه كأنه نافر جامح (وَلاتَ) للنفي ، وقد تفصل التاء من

حين وقد توصل بها ، وأصل هذه التاء هاء ، لكنها وقعت هكذا في المصحف ،

والمعنى: ولاه حين مناص .

(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ...(4) . أي: من البشر وبخاصة من العرب

ومن قريش ، يعيب تعجبهم من ذلك كيف عجبوا لهذا ولو نظروا في موجودات

السماوات والأرض لتحققوا أن ذلك من واجبات الوجود ومعهود صفات الموجد .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)

المعنى إلى آخره ، وإلى هذا (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ)

وهو لو علموا ذكرٌ لهم وشرفٌ ، فكان تعجبهم من ذلك وإبعادهم له نفارًا عما كان

يكون لهم ذكرًا وشرفًا في الدنيا والآخرة ، فعرض بالإخبار بهذا المعنى عن عظيم

قدرته ومضاء مشيئته ، كيف تساق الذوات إلى ما يسبق لهم عنده وإن كان في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت