ربيع ما هَاهُنَا ومصيفه ، والماء جارٍ في ذلك ، لقرب عهده بالأمطار ، فجري الماء
هو المعهود ، ولما كانت - أعني: هاتين الجنتين - مدلولتا جنتي خريف ما هَاهُنَا
وشتائه يكون ما هَاهُنَا آية على ما هنالك ، وكان أقرب عهدهما من غور المياه
وصفهما في مياههما [بالنضخ] ، وهو دون الجري وأكثر من [النضخ] .
وربما اعترضك هنا عارض تشكيك فيقول لك: إن هاتين الجنتين اللتين
ذكرت أنهما جنتا الخريف والشتاء ، فإن الشتاء أكثر جري فيه ، وعنه فاعلم أن الشتاء
بما هو قد يكون في أثنائه إفراط البلات على مواضع من الأرض لتصلح على ذلك
مواضع أخر ، وربما عمَّ الإفراط فيكون فتح الله برحمته على تلك الحال بالشمس
كما قال عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) فقد
يكون ذلك عبارة عن نشره رحمته بالنبات وما يفصله إليه ، وقد يكون عبارة عن
فتحه بالشمس ، ولذلك أعقب ذلك بقوله الحق (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)
افقد أهلك بالمطر ، وقد أغاث به ، وقد أهلك بالشمس ومداومة
الصحو ، وقد أغاث به .
وقد استسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استصحى (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) يأتي بهذا إثر
هذا وبهذا إثر هذا ، والجنة بما هي قد عوفيت من الإفراطات وأنزلت الجنات فيما
هنالك على وزان ما يكون ما هاهنا دلالة عليه ، وكذلك جهنم - أعاذنا الله برحمته
منها - جعلت أيضًا موجوداتها على وزان ما يكون ما هاهنا مما هو عن آثارها دلالة
عليه بشرط اعتقاد مزيد الآخرة على الدنيا ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما الدنيا في"
الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم فانظر بمَ يخرج منها"."
ومن تقصى النظر وتابع التذكر وصل إلى البغية عبرة ، فما هنا إلا ما هنالك ،
وإنما هذه الدار جدبة جدبت من تلك وقطعة افتطعت منها ، غير أنها صغير من كبير
وقليل من كثير وفانٍ من باقٍ ، فافهم لذلك .
قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(67) .
نظم بذلك - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه قوله: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ(68)