فهرس الكتاب

الصفحة 2550 من 2809

ربيع ما هَاهُنَا ومصيفه ، والماء جارٍ في ذلك ، لقرب عهده بالأمطار ، فجري الماء

هو المعهود ، ولما كانت - أعني: هاتين الجنتين - مدلولتا جنتي خريف ما هَاهُنَا

وشتائه يكون ما هَاهُنَا آية على ما هنالك ، وكان أقرب عهدهما من غور المياه

وصفهما في مياههما [بالنضخ] ، وهو دون الجري وأكثر من [النضخ] .

وربما اعترضك هنا عارض تشكيك فيقول لك: إن هاتين الجنتين اللتين

ذكرت أنهما جنتا الخريف والشتاء ، فإن الشتاء أكثر جري فيه ، وعنه فاعلم أن الشتاء

بما هو قد يكون في أثنائه إفراط البلات على مواضع من الأرض لتصلح على ذلك

مواضع أخر ، وربما عمَّ الإفراط فيكون فتح الله برحمته على تلك الحال بالشمس

كما قال عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) فقد

يكون ذلك عبارة عن نشره رحمته بالنبات وما يفصله إليه ، وقد يكون عبارة عن

فتحه بالشمس ، ولذلك أعقب ذلك بقوله الحق (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)

افقد أهلك بالمطر ، وقد أغاث به ، وقد أهلك بالشمس ومداومة

الصحو ، وقد أغاث به .

وقد استسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استصحى (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) يأتي بهذا إثر

هذا وبهذا إثر هذا ، والجنة بما هي قد عوفيت من الإفراطات وأنزلت الجنات فيما

هنالك على وزان ما يكون ما هاهنا دلالة عليه ، وكذلك جهنم - أعاذنا الله برحمته

منها - جعلت أيضًا موجوداتها على وزان ما يكون ما هاهنا مما هو عن آثارها دلالة

عليه بشرط اعتقاد مزيد الآخرة على الدنيا ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما الدنيا في"

الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم فانظر بمَ يخرج منها"."

ومن تقصى النظر وتابع التذكر وصل إلى البغية عبرة ، فما هنا إلا ما هنالك ،

وإنما هذه الدار جدبة جدبت من تلك وقطعة افتطعت منها ، غير أنها صغير من كبير

وقليل من كثير وفانٍ من باقٍ ، فافهم لذلك .

قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(67) .

نظم بذلك - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه قوله: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ(68)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت