فهرس الكتاب

الصفحة 2292 من 2809

(لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10) .

ألا فهذا العجب المعجب هم في غاية العذاب والخزي والهون والندم ، لأجل

مقتهم أنفسهم ومقت بعضهم بعضًا ولعن بعضهم بعضًا لأجل ذلك يقول الله - جلَّ جلالُه -

وتعالى علاؤه وشأنه: (لَمَقْتُ اللَّهِ) إياكم (أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى

الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) .

ما أصبره - جلَّ جلالُه - وما أوسع طوله وأكرم حلمه ، كان في حياتهم الدنيا مقته أكبر من

مقتهم أنفسهم في عذابهم ذلك ومع ذلك ، فلم يعاجلهم بعقوبة ما كانوا به من

خلاف وكفر ، وهم لم يجدوا ما يجدون من عذاب إلا لأنهم لا يجدون إلى

الخروج مما هم فيه سبيلًا ، فتأمل هذا وتفكر فيه طويلًا ، ما أصدق قوله: (إِنَّ اللَّهَ

بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) .

أتبع ذلك قوله - عز من قائل - حكاية عنهم: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا

اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) . لما كان من تكذيبهم

الإحياء بعد الموت أقروا يومئذٍ بحياتين وموتين ، إحدى الحياتين هذه الحياة الدنيا ،

ثم الحياة الآخرة التي يصيبهم فيها جزاء ما كذبوا به ، والموتة الأولى: هي التي قبل

هذه الحياة الدنيا ، والثانية: الموتة المقت الذي بعد هذه الحياة وقبل الحياة الآخرة .

قال - عز وجل -: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) .

أتبع ذلك ما هو جواب لقولهم ، قوله الحق: (ذَلِكُمْ ...(12) . أي: من خلودكم فيها

وعدم إخراجكم منها (بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) ومفهوم

ذلك أن خلودهم فيها وعدم إخراجهم لأجل مقت الله - جل ذكره - إياهم فأبعدهم

عن جواره وأبلسهم عن قربه ؛ ومقته لهم لأجل محبتهم سواه حتى آل بهم ذلك إلى

البغض ، فهم إذا دعى الله وحده كفروا بذلك وإن يشرك بهم يؤمنوا ؛ أي: بالشرك ،

كما قال عز من قائل: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) .

فهذه عداوة منهم لربهم ورازقهم الكالئ لهم بالليل والنهار ، فعاداهم الله لذلك

ومقتهم ولعنهم في الدنيا وأبعدهم في الآخرة ، ألا تسمع إعظامه - جل ذكره - ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت