(لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10) .
ألا فهذا العجب المعجب هم في غاية العذاب والخزي والهون والندم ، لأجل
مقتهم أنفسهم ومقت بعضهم بعضًا ولعن بعضهم بعضًا لأجل ذلك يقول الله - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه: (لَمَقْتُ اللَّهِ) إياكم (أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى
الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) .
ما أصبره - جلَّ جلالُه - وما أوسع طوله وأكرم حلمه ، كان في حياتهم الدنيا مقته أكبر من
مقتهم أنفسهم في عذابهم ذلك ومع ذلك ، فلم يعاجلهم بعقوبة ما كانوا به من
خلاف وكفر ، وهم لم يجدوا ما يجدون من عذاب إلا لأنهم لا يجدون إلى
الخروج مما هم فيه سبيلًا ، فتأمل هذا وتفكر فيه طويلًا ، ما أصدق قوله: (إِنَّ اللَّهَ
بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) .
أتبع ذلك قوله - عز من قائل - حكاية عنهم: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا
اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) . لما كان من تكذيبهم
الإحياء بعد الموت أقروا يومئذٍ بحياتين وموتين ، إحدى الحياتين هذه الحياة الدنيا ،
ثم الحياة الآخرة التي يصيبهم فيها جزاء ما كذبوا به ، والموتة الأولى: هي التي قبل
هذه الحياة الدنيا ، والثانية: الموتة المقت الذي بعد هذه الحياة وقبل الحياة الآخرة .
قال - عز وجل -: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) .
أتبع ذلك ما هو جواب لقولهم ، قوله الحق: (ذَلِكُمْ ...(12) . أي: من خلودكم فيها
وعدم إخراجكم منها (بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) ومفهوم
ذلك أن خلودهم فيها وعدم إخراجهم لأجل مقت الله - جل ذكره - إياهم فأبعدهم
عن جواره وأبلسهم عن قربه ؛ ومقته لهم لأجل محبتهم سواه حتى آل بهم ذلك إلى
البغض ، فهم إذا دعى الله وحده كفروا بذلك وإن يشرك بهم يؤمنوا ؛ أي: بالشرك ،
كما قال عز من قائل: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) .
فهذه عداوة منهم لربهم ورازقهم الكالئ لهم بالليل والنهار ، فعاداهم الله لذلك
ومقتهم ولعنهم في الدنيا وأبعدهم في الآخرة ، ألا تسمع إعظامه - جل ذكره - ذلك