وسعه في طلب مرضاته ، وأخلص له في طلبه .
قال اللَّه - جلَّ ثناؤه - وذكر عيسى صلوات الله عليه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا
عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) . أي: أنعم عليه بالنبوة والرسالة ،
والكتاب الذي علمه ، والحكمة التي آتاه ، والروح الذي جعله فيه منه ، وكلمته التي
كونه عنها .
ثم قال جل قوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ(60)
والأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آيات على ما قاله في هذه
الآية شواهد صدق ، وبخاصة منهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليهما وسلم على
جميع النبيين والملائكة والمقربين .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) فافهم - وفقنا الله وَإياك - فقد
جمع لك فصول العلم في أطراف الكلام ، وأن القرآن الكريم كله متشابه متعاضد
متصادق ، وكذلك الوجود كله لمن تأمله آيات مبينات لطالبي العلم ابتغاء طاعة الله
ورضوانه .
قوله - عز وجل -: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(12) . هذا محذوف
لبيان دلائله وصدق شهادته ، معناه والله أعلم: فلم اتخذتم من دونه أولياء لا
يملكون شيئًا ولا ينفعون ، أو ما يكون هذا عبارة عنه .
ثم استأنف الكلام: فقال جلَّ قوله: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي: لمن
آمن بالله ورسله وأطاع ، وقد يكون قوله جلَّ قوله: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)
على العموم لولا رحمته في الدنيا التي شملت الكل في الدنيا ما عاش فيها الكافر ،
ولا العاصي (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الأمر الإيجاب التي في
الكتب ؛ لإيجابه ذلك على نفسه ، والنون فيه للتأكيد والتحقيق .
ثم استأنف من الكلام ما أنبأت عنه الفطرة وقامت عليه الشواهد ، فأزاحت عنه
الشكوك ، فقال: (لَا رَيب فِيه) يعني: يوم القيامة .
ثم استأنف - جلَّ جلالُه - كلامًا آخر قبله ما دل عليه قوله: ( لَيجْمَعَنَّكم) قوله:(الَّذِينَ
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)أي: في يوم القيامة (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) .
وهذا في هذا المعنى كقوله جل قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ)