السماء دخانًا رفعه ، ثم أوجد الأرض نزية استوى إلى السماء ، وذكره الاستواء إلى
ما هو الأعلى أولى لنزاهته ؛ إذ الاستواء بما هو مفهومه العلا .
(فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11) . أي:
نحن وما فينا وما بيننا ، وذكر الطوع هنا معناه: التبرؤ من الحول والقوة ، وإخراج
الفعل على سنن التسخير والتيسير لا على تحمل الأمانة بمعنى دعوى ، فكان يلزم
عن ذلك اختبار وامتحان (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) . أي: فصلهن بعضهن
عن بعض ، أولهما: قضاؤه السماء ، والثاني: قضاؤه الأرض ، وفصلهن بعضهن عن
بعض ، وقد عبر عن خلقه الأرض في يومين: الأول منهما: لإيجاده السماء ، والثاني:
لإيجاده الأرض ، ذكر في إخباره عنهما يومين للسماء ويومين للأرض ، فيومين من
حيث العدد ، وأربعة من حيث الفعل ؛ إذ انقضاء اليوم هو انقضاء الفعل .
ثم قال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا
السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ... (12) .
وقال في الأرض: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) ولم يجعل
لها رواسي ألا تميد إلا بعد دحوها (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)
كذلك ذكر تعالى يومين لخلقه الأرض ، ويومين لقضائه السماوات سبعًا وتسويتهن
على ما هن عليه من أمر، وأربعة أيام في تتميم الأرض بركاتها ورواسيها وتقدير
أقواتها ، فهذه ستة أيام عددًا ، لكنه لما كان توزيعها مرة على الإخبار بإيجاد الأرض ،
ومرة عن تسوية السماوات ، ومرة عن تتميم ما أوجده ، تداخلت الأعداد لتداخل
الأفعال واستقامة سبيل النظر في ذلك إن شاء الله أن يعتقد أن السماء أولًا إيجادَا أو
تتميمًا ، والأرض بعدها إيجادًا ورتبة .
مثال ذلك: ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال"
يوم الأحد وخلق الندى يوم الاثنين"."