وفي أخرى:"وخلق الشجر والماء يوم الاثنين وخلق الظلمة يوم الثلاثاء"
وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيهما الدواب يوم الخميس فهذه ستة أيام"."
فخلقه التربة يوم السبت قد كان سبق خلق الماء دخانًا قبل ذلك ، ثم كذلك
ما خلق من موجودات ومتمماتها إلا قد كان سبق تتميم ما شاء من السماء قبل ،
ولذلك - والله أعلم - قال: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) أي: فعلين ،
واليوم انقضاء فعل ومفعولي ذلك اليوم السماء ثم الأرض ، فقال:(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)أي: تسوية السماوات ودحوه الأرض وما يتبع
ذلك ، لكن الأرض بعد السماء كما تقدم إيجادًا ورتبة .
ثم أوحى في كل سماء أمرها ، وأغطش ليلها ، وأخرج ضحاها ، وبارك في
الأرض وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ، فتلك يومان ؛ أي: فعل مفعولين بيوم
ويومان ، كذلك فهذان يومان وأربعة أيام في إيجاد الأمر في السماء وخلق أقوات
الأرض وبركاتها في أربعة أيام ، وكما تقدم في تقدير السماء إيجادًا ورتبة ، وإنما هو
السماء ثم الأرض ، ألا ترى أن الأمر ينزل من السماء أولا في إنزال الماء فيخلقه
فيما هنالك ، ثم ينزله إلى الأرض والنبات والحيوان عن الماء الذي ينزل من السماء
إلى الأرض بمنزلة النسل من بين الذكر والأنثى ، وبمنزلة تسخير السماء والأرض
وما بينهما ، الماء واحد له ، فافهم .
أمر قويم وحكمة سابغة ، آية ذلك: قضاؤه بركات الأرض في أربعة أيام
بواسطة ما قدر في السماء من أمر ، وهي الأربعة فصول من السنة: الشتاء والربيع
والصيف والخريف ، فهذه الأيام معلومة بالمشاهدة ، فيهن يتم زرع الأرض وبركات
الدنيا وجميع ما يخرجه منها من فوائد وعجائب ، لذلك قال: (سَوَاءً) أي: هذه
بهذه (لِلسَّائِلِينَ) يعني: للناظرين المعتبرين بما يشاهدونه إلى ما هو
غائب عنهم .