وكان يعقوب مظلومًا في حط خطاياهم في يوسف ونفسه مما جنوه عليه
من الحزن والأسف وطول البكاء ، وأعظم المطلوب أن يبلغ بهم الغاية التي بلغوها
من جعلهم أنبياء من أئمة المتقين ، وقد كان علم ذلك من تأويل رؤيا يوسف ،
ولذلك قال: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ) وعلى قدر الحاجة
يكون الشوق لها والتأهب .
قوله - عز وجل -: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ...(99) . آوى واللَّه
أعلم هي المصافحة ، كذلك قال قبل هذا: (آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) ولم يقل
ذلك في إخوته ، ومن هذا يفهم أن السلام على الأحبة والخاصة مباح المعانقة فيها
وتقبيل المناكب ، وهي المصافحة وذلك على منازل (وقال) يبشرهم ويهنئهم
بالسلامة والرحب: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) وهذا يمكن عند
تلقيه إيَّاهم قبل أن يدخلوا المدينة آوى إليه أبويه وقال لجماعتهم:(ادْخُلُوا
مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)فإنه ذكر أن دخولهم مصر في اثنين وتسعين رأسًا .
ولما دخلوا عليه مجلسه أرفع أبويه على العرش ، ثم تذكر رؤياه التي
أراه الله - جلَّ جلالُه - إياها في بدء الأمر ، وكيف عبَّرها له أبوه ، وكيف نزغ الشيطان بينه وبين
إخوته ، وغربته في استعبادهم إيَّاه ، وتصييره إلى ملك الأباعد ، وكيف لطف اللَّه
-جلَّ جلالُه - في حراسة دينه عليه في ظلمات الكفر وملك العبودية ، وكيف لطف له بالحفظ
والكلاءة وحسن الدفاع ، ثم كيف جمع عليه شمله ، وأقر بالظفر عينه فخرَّ لله ساجدًا
شكرًا من نعمه لما أولاه ، فخروا له سُجَّدًا ، أي: لسجوده ائتمامًا به شاكرين لله - عز وجل - ،
حامدين له .