فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) .
نظم بذلك قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ...(30) . ثم قال:
(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي: منهم ، و (لَحْنِ الْقَوْلِ) هو: ما تنحو
إليه بلسانك ، أي: تميل إليه ليفطن لك صاحبك ، وتخفيه على من لم يكن له عهد
بمرادك ، وعلى القول بالتحقيق فلحن القول: ما يبدو من عرض الكلام وخبيات
الخطاب وسياق اللفظ وهيئة الشحنة حال القول وإن لم يرد المتكلم أن يظهره ،
ولكنه على الأغلب يغلبه حالًا فلا يقدر على كل كتمه وإن كان في تكليمه معتمدًا
على ذلك ، وحقيقة حال تلوح عن السر وإظهار كلام للباطن يكاد يناقض كلام
اللسان بحال خفيه ومعان يقف عليها باطن المخاطب واللحن يعرفه ذوو الألباب .
نظم به قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ... (32) . هذا مننظم بوصف المنافقين الذين أطفأوا
نورهم بعد إضاءته ، ويكون المعني بهذا الخطاب أيضًا: يهودهم الذين أطفأوا نورهم
من بعد إضاءته وصاروا إلى ظلمات لا يبصرون .
ثم وعظ المؤمنين أن يقعوا في مثلها بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) . أي: كما فعل أُولَئِكَ ، وكما فعل
بالكافرين أيضًا اتبعوا الباطل فأضل أعمالهم ، فالتزموا أنتم الحق والتحقق به
يحققكم الله به ويحقق أعمالكم .
ثم سرد عليه قوله - جل من قائل: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) . يحذرهم من ترك جهاد