الرَّحِيمُ (163) . هذا هو القرآن العظيم ، مسالكه في العلم كله كسلوك
الأرواح في الأجسام ، وكجري الغذاء في المتغذي ، وكسريان الماء في العود
الناضر ، ومعرفة أسمائه هو العلم أجمع ، والعلم بوحدانيته هو البرهان الأكبر ،
والفهم عن آياته في الوجود هو اليقين فاعلمه ، والعبرة من حاضره إلى غائبه هو
الشأن كله .
بَشَّر عباده - جلَّ جلالُه - إذا هم آمنوا به وأسلموا له أنفسهم ، وشهدوا له شهادة الحق
على علم منهم بما شهدوا به من ذلك ، أنه الرحمن الرحيم فأشبه قوله:(وَإِذَا جَاءَكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . . .).
وقوله جل قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) ثم قال وقوله
الحق: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله:
(لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: يعقلون الغائب بالشَّاهد ، وما بطن بما
ظهر ، والكثير بالقليل ، والفاضل بالمفضول عبرة وعظة .
(فصل)
أعلم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بما أعقب معنى الشهادة بما سرده بعدها ،
ووصله بها من معالم الدلالات وبينات الآيات أن أول الواجبات بعد شهادة اللسان
استسلامًا ، وشهادة الجنان إيقانًا النظر والاستدلال ، فإن بالتفكر في مصنوعاته ،
والنظر في آياته ، واستشهاد شواهده وبيناته يكون العلم واليقين كذلك .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: معروف بالآيات منعوت بالعلامات ، فالمعروف واحد ،
والمعرفة واحدة ، غير أن لها أولا مبتدأ وأعلى ، ولا منتهى لها عند العارفين به ؛ إذ
المطلوب بالمعرفة لا نهاية تحده ، ولا تبلغ كنهه ، فنهج - جلَّ جلالُه - للعباد طريق الهداية إلى
معرفته ، وأوضح سبل البينات بالدلالات عليه بأن أودع المخلوقات كلها ، وألزم
أنواع المبدعات بأسرها من ضروب التغاير .
وسمات النقص ودلالات الحدث ، وضروب أوصاف الصفات ، ومعاني أسماء
المسميات وحقائق مقتضياتها ، وبما أظهر من فعله فيها وأبدى من أثر صنعه عليها