ما زال بذلك عن بصائر المستبصرين الإشكال عن بيان انقيادها لجاعلها ،
وخضوعها لصانعها - جلَّ جلالُه - الذي وسمها بالعجز والافتقار على ما قصرها عليه من
تسخيرها بعضها لبعض واحتياج بعضها لبعض ، بل كشف - جلَّ جلالُه - عن وجه الحقيقة بأن
صانعها قادر ، عالم ، مريد ، حي ، له الأسماء الحسنى والصفات العُلا .
ثم أمر - جلَّ جلالُه - عباده باعتبارها وندبهم إلى تعرف تفصيلها لشهادتها مفصلة ،
والاستدلال بما ظهر من آياته فيها وما بطن ، سبحانه وله الحمد .
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه -:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ
شَيْءٍ).
وقال عز من قائل: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3) .
وقال عز من قائل: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) .
(وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) ولقوم
يعقلون ويتفكرون ويتذكرون ويعلمون ويوقنون ، وجاء هذا كثير من القرآن العزيز
مكررًا منوعًا .
أكثر ذلك بالتكثير للآيات ، وفي ذلك البيان البيِّن أن الشيء الدال بنفسه قد
يكون باستقصاء التدبر وترداد التفكر دليلا على شيء ما ، وأنه على شيء آخر من
طريق غيره على مطلوب آخر ، هكذا فالزم التقصي في الاعتبار ، فبذلك أمرت ( وَمَا
يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) .
وفيما أعلمنا به - جلَّ جلالُه - من ذلك بيان شافٍ أن للعلم المستفاد على تكرارها وكثير
طرقها درجات للإيمان وللتقوى والعلم والعقل عن الله - جلَّ جلالُه - ، والسمع والبصر ونحو
هذا .
(فصل)
أول درجات الإيمان لطالب هذه الدرجة الرفيعة: استشعار الإيمان والتقوى
والحرص وصدق النية ، ومدار ذلك: التزام حب الله جلَّ ذكره القلب حتى لا تجد