(لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26) . ونحو هذا معنى
قوله: (مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ) في قوله: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ (32) . أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(56)
أمره أن يستعيذ من صفة الكبر فهو أصل الخطايا ومنبع المقت من الله
لعبده ، سميع لمقالهم ، ونعوذك به من ذلك بصير بعملك وأعمالهم .
وموضع الاستعاذة من هذا المعنى في القرآن العزيز هو في المعوذتين ، نظم
بذلك قوله الحق: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ...(57)
وهو من جدال القرآن دلهم على النظر في خلق السماوات والأرض وما بينهما ،
ويستدلوا بعظم ذلك على عظمة خالقهما ، هذا هو المراد على العموم ، وأخص من
هذا بهذا الخطاب أن ينظروا إلى كبر خلق السماوات والأرض وصغر خلق
الإنسان ، فإنما هو شعبة يسيرة من خلقيها ، ثم يقضي بمعلوم ذلك أن الذي خلق
ذلك كله قادر على أن يخلق الإنسان عودًا بعد بدئه إياه هذا ما لا خفاء به ، فسبحانه
وله الحمد ، ماذا يحتوي عليه الضلال من ضروب المحال وفي خلقه السماوات
والأرض وما بين ذلك الآجال المضروبة من اختلاف الليل والنهار والشهور
والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها ، ثم رجوعها عودًا بعد بدئها .
وكذلك في كون الإنسان نطفة مهين ، ثم علقة ، ثُمَّ مضغة ، ثم لحمًا ، ثم عظامًا ،
ثم وليدًا جاهلًا ، ثم صبيًا ، ثم شابًا ، ثم كهلًا ، ثم شيخًا مفندًا ، وفي هذا كله الآماد
والآجال المضروبة ، وربما قطع به في النهاية ، وربما رد إلى أرذل العمر إرجاعًا إلى
أوليته من الضعف وعدم العلم والميز ، هذه كلها آيات منبئات عن الإعادة بعد
البداية ، وعلى انقضاء يوم الدنيا وابتداء يوم الآخرة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
نظم بذلك قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ...(58) . أي: الجاهل والعالم
والمؤمن والكافر ، كذلك لا يستوي المؤمن المصلح والكافر المسيء .
(قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) لو تذكروا لأبصروا ، ثم حكم بحكم الحق
الذي هو من بعض ما خلق الله السماوات والأرض عليه بقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا
رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) .
قوله تبارك وتعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ...(60) . الدعاء قد