يجريها الله - جل ذكره - فيجري بجريانها جميع ما حملته ، كذلك ما خلق جملة
المخلوقات المسمى بالعالم الكلي والعبد الكلي إلا كخلق نفس واحدة من العالم
الجزئي ، وكذلك في التدبير والإمساك وغير ذلك ، لا يؤده شيء ولا يشغله ، لا إله
إلا هو العلي العظيم ، فهذا من آياته المشار إليها في هذا الموضع ، ونعمة الله
المذكورة هنا هو حفظه وتيسيره الريح الطيبة بأمر النجاة ، وفي الفلك آيات سوى
هذا ، قد تقدم ذكر بعضها .
أتبع ذلك قوله - جل وعز: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ...(32) . أي:
يكون الموج لهم من فوقهم كالظلل فوق رؤوسهم ، ذلك أشد الهول وأقطعه ،
وأهلك من هذا وصفه في قوله:(جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ)أي: من جهات الفلك (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)
على ذلك جُبل الخليقة يدعونه على التوحيد تضرعًا وخيفة حال
الاضطرار ، ويكفرون ويشركون به حال العافية .
يقول - جل من قائل: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)
وأكثرهم على ما قال: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ(65)
فإتيان الرياح والأمر بما لا يوافق الفلك والمحمولين فيه مثال الإتيان: الأقدار
والأسباب ، فمن القدر وأهوال الموج مثال لمكروهات الدنيا ومحنها لهذا وما هو
أكثر من هذا ، قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي: على مر الأقدار وشدتها
(شَكُورٍ) على حلوها ومحبوبها وعلى هاتن الحالتين(وَمَا يَجْحَدُ
بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ)للعهد المأخوذ به عليه ، ثم لما يعطيه في حال
الاضطرار من عهود ومواثيق (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22)
يكون بذلك (كَفُورٍ) لإيمانه الممتزج بأمشاجه المركب
عليه أركانه .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي