هُمُ الْخَالِقُونَ (35) .
(أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ(41) . وهؤلاء هم: الملائكة يكتبون من الغيب ما
يلقيه إليهم عالم الغيب والشهادة .
نظم بذلك قوله: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ...(42) . والمقصود بذلك: إطفاؤهم نور الله
بأفواههم ، وجحدهم الحق ، وردهم على الوحي ، وتكذيبهم الرسل(فَالَّذِينَ كَفَرُوا
هُمُ الْمَكِيدُونَ)أي: بسوء فعلهم بعمى أبصارهم وقلوبهم ، فهم لا
يهتدون سبيلًا ويصيرون إلى سوء المصير بمجازاة أعمالهم (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) .
ثم قال - عز من قائل: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ(44)
هذا منهم إما لعظيم ما أملوه من كيد ، وإما لكبر في صدورهم
ما هم ببالغيه - نعوذ بالله العظيم من سوء ما قسم لهم - وإنما ذلك لعمى أبصارهم
وبصائرهم ، وموتهم عن الحق ، وهو معنى قوله الحق - عز جلاله: فهم المكيدون ،
فهم لعقوبة إعراضهم ضرب بالأقفال على قلوبهم ، فهم لا يبصرون حقيقة ولا
يفقهون حديثًا ، فإذا شاهدوا عظائم المشاهدات ألحدوا بها إلى المعهود المتعارف
فهو منتظم بقوله في المقابلة: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ(42) .
يقول: بلغ من كيدنا لهم لأجل كيدهم أنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا
يعقلون ، حتى لو أنهم رأوا السماء تسقط عليهم كسفا لقالوا: (سَحَابٌ مَرْكُومٌ) فهو
إلحادهم بالآيات إلى المعهود ، فهم لأجل ذلك لو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا حتى
يروا العذاب الأليم .
أتبع ذلك قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)
يوم يأتي كل نفس حمامها ، ويوم ينفخ في الصور فيصعقون .
قوله - عز وجل -: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ...(47) . أما ما هو دون الموت فالقتل
والسبي والخزي والجلاء ، وأما ما هو دون عذاب الآخرة فعذاب في البرزخ ، وهو
المعروف بعذاب القبر ؛ لذلك قال وهو أعلم: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
لخفاء ذلك على أكثر أهل الإيمان فكيف بأهل الإعراض والتكذيب ؟ .