وإن قوله جلَّ قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا) فوصفهم - جلَّ
وصفه - بالإيمان الأرفع والخشية ، والرهبانية من نعت أتباع عيسى - عليه السَّلام - والصديقية
من نعت المهتدين سواهم .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يغزو القسطنطينية سبعون ألفًا من بني إسحاق ....".
وقال فيهم جلَّ قوله: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ولم يقل:
"ولتجدن أقربهم مودة عند الله النصارى"فدلَّ ذلك على دخولهم في دين الإسلام ،
واتباعهم المسلمين .
(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) .
قوله - جلَّ جلالُه -:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا
تَعْتَدُوا . . . . )بلغ رسول الله كلمجتَ أن أناسًا من أصحابه - رضي الله عن
جميعهم - قال أحدهم: والله لا آكل اللحم ، وقال الآخر: والله لا أنكح النساء ، وقال
الآخر: والله لا أنام الليل ، وقال الآخر: والله لا آكل نهارا ، فنزلت هذه الآية .
وسمَّى ذلك جلَّ ذكره اعتداء ، كما سمَّى الإسراف اعتداء ، وخطب رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - فقال:"ما بال أقوام يقول أحدهم: لا أنكح النساء ، ويقول الآخر كذا ، ويقول"
الآخر كذا ، أما أنا فآكل اللحم وأنكح النساء ، وأصوم وأفطر وأنام وأقوم ، فمن رغب
عن سنتي فليس مني"."