وكلمة (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ) المعني به: استبعاد في مشيئة الله ومجرى سنته من
آمن ثم كفر ، ثم آمن ثم كفر ، ثم ازداد كفرًا لم يكن اللَّه ليغفر له ولا ليهديه سبيلًا .
وفي باقي حال الخطاب يوجه إلى المنافقين الذين آمنوا ثم كفروا ، وقد أعقب
بذكرهم في مثل هذا الخطاب في موضع آخر من كتابه سيأتي ذكره إن شاء الله ؛ لذلك
قال في هؤلاء وهؤلاء: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) .
ومن رحمته - عز جلاله - لم يحجر عليهم القبول ولا منعهم التوبة ولا منعهم
أن يكسبوها ، فقال جلَّ قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ...(89)
فتوبة يهود وأهل الكتاب: تبيان ما كتموه ، والإيمان بما كفروا به
وإصلاح ما أفسدوه .
وتوبة المنافقين: الإيمان بما كفروا به وتصديق ما كذبوه من الحق ،
والإخلاص في الإيمان ، والإقلاع عن المراءاة وما جرَّ إليها .
هذا وهذا من سورة البقرة وسورة النساء مفصلا مبينًا ، ومعتمد هذا الوعيد على
حال الخاتمة هناك يتحقق الاستبعاد من التوفيق وسبل الضلال منهم ، وكل ما جاء
من عزم وعيد بأنه تعالى لا يغفر لا يتوب ولا يقبل توبة تائب ، فمعتمد ذلك على
حال الخاتمة إلى ما وراء ذلك .
وربما تعجل من ذلك بشؤم الذنوب ورجس الإصرار ، وعدم الانتباه إلى
التوبة ، واستصحاب الإعراض عن التذكير بقوله جلَّ قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ...(90)
معناه: لن يوفقوا لتوبة تتقبل منهم متى شاؤوها ، ولذلك كانوا في تفعلها
كالذي ( [يَتَخَبَّطُهُ] الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) ، فهو يعمل على غير نية . ويؤسس بنيانه على شفا
جرف هار ، وصفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال يصف قوما في آخر هذه الأمة:"يتهوكون"
كما تتهوك اليهود في الظلمة يقرون بالذنب ولا ينتهون"."
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ