المراد بقوله: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) أي: من لدنا القرآن ، فالمعنى سواء فإنما أعلم
القرآن بسر المراد من ظاهر الأمر المثبت في لوح الوجود ، والقرآن هو المنزل
بالملائكة بالروح من أمره على محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما في ليلة القدر من خاصة
خصها الله بها من فضيلة وإعلام بما يكون على نحو الإشارة إلى الناحية وبالأمم
فهو أيضًا من أمره ووحيه فيها ؛ لذلك هي ليلة القدر أمر من لدنه أيضًا كما قال:
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4) .
فقرب بذكر الرسالة قوله: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ...(6) . كما قال: (وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) . (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
مشفع لدعاء من شفع عنده من الملائكة - عليهم السلام - في تأخير رفع القرآن
وتأخير ساعة الانقراض وإيجاب المغفرة لأهل الأرض وللذين آمنوا ، والتوبة عليهم
والدعاء لهم بالإمهال والإصلاح حتى يبتغوا سبيله ، عليم بما يكون منهم ومن
تقديره وما قد كان .
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(7) .
أي: بأنه رب كل شيء ومليكه ، وأن السماوات تكدن أن
(يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)
وبما يكون من إرجاعه الحكمة أواخرها على أوائلها ، وفي ذلك تمام الآجال
وتعويض من الأحكام بأحكام ، ومن هو رب السماوات وما بينهما والكرسي الكريم
والعرش العظيم ، فله ملك ذلك وملكوته بما في ذلك من تدبير وتقدير وإنفاذ ما
شاء إنفاذه من إحياء وإماتة وتقديم وتأخير وعطاء وحرمان إلى غير ذلك .
نظم بذلك قوله الحق - جل ذكره: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ(9)
أي: فمن أجل ذلك لا خشية لهم ولا رهبة عندهم (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)
يريد استصحاب هذا الأمر أو يكون المعنى وهم على عظيم هذا الشأن وجلاله
الخطب في غفلة ولهو يلعبون .
(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ(10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13)