فهرس الكتاب

الصفحة 1967 من 2809

واحتجب عمن سواهم ، فإذا كان يوم الآخرة ظهر لأوليائه عيانًا كما يظهر يومئذ

جزاؤه على الإيمان به والطاعة له ولرسله ، ويظهر جزاؤه للكافرين والمكذبين .

(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) أي: جزاءهم الظاهر للمهتدين في هذا الحق

المخلوق به السَّمَاوَات والأرض ، ويومئذٍ ؛ (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ) - جلَّ جلالُه - (هُوَ الْحَقُّ)

الظاهر لهم اليوم (الْمُبِينُ) للحق ، والمحتجب اليوم عن الأبصار ،

المحتجب عن قلوب الغافلين ، كما يحتجب عنهم ظهوره يومئذٍ إلا إعلامًا منه لهم

بلقاء يعبر عنه بالوقوف والوقف ، فعاد وصف النشء على المخلوق المربوب

المعبد ، والحق بما هو الحق وصفه بالحجب والظهور ونحو هذا .

أتبع ذلك قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ...(80)

الموتى: هم الكفار والمكذبون ، والصم: هم الجهال ، فلو أقبلوا إلى الله وأذعنوا

للحق وسماع الوحي ، فبالخيرات يتحصل لهم ما كتبه من السمع ، فأمَّا من أدبر

وتولى تولى الله عنه بنعمته ، وأعرض عنه بكرامته ؛ جزاءً لنوليه وإعراضه ، والله الغني

الحميد .

والصم ؛ هم الذين لا يسمعون الوحي ، ولا يقفون على حقيقته ، والعمي: هم

الذين لا يرون الآيات في الأرض ولا في السماء ولا في أنفسهم وفيمن خلا من

المهلكين ، إنما يسمع الرسول من آمن بالله وآياته ، فكلما زاد من ذلك زاد إسماع

الوحي له حتى يرى بعين اليقين ، وكلما تبصر الناظر في الآيات أبصر ، وكلما أبصر

زاده الله إبصارًا ، فكلما أغرق في ذلك أكسبه حياءً وإيمانًا ، وحقق له صفاته ، حتى أنه

ربما رأى ما أسمع وسمع ما رأى ، فيرى بباطنه الغيوب ويشاهد بباطنه المكون ،

كذلك يسمع الصوامت تهزج بالتسبيح ، والجوامد تعلن بالشهادات لربها والتمجيد

والتحميد .

فإنه من ألقى سمعه إلى ما جاءه به الرسول ، ومن ألقى ببصره إلى شواهد

الموجودات وتحقق الحق ، يجري في مسالكه تولاه مولاه ، ورفعه إلى سماع ما لا

يسمعه الغافلون ، ورؤية ما لا يراه المعرضون ؛ لذلك قال ، وهو أعلم: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا

مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) . أي: إنما يسمع الذكر من أحياه الله

بالإيمان ، وحلاه بحلية الإسلام ، وأذعن للحق ، واقتفى واقتدى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت