واحتجب عمن سواهم ، فإذا كان يوم الآخرة ظهر لأوليائه عيانًا كما يظهر يومئذ
جزاؤه على الإيمان به والطاعة له ولرسله ، ويظهر جزاؤه للكافرين والمكذبين .
(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) أي: جزاءهم الظاهر للمهتدين في هذا الحق
المخلوق به السَّمَاوَات والأرض ، ويومئذٍ ؛ (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ) - جلَّ جلالُه - (هُوَ الْحَقُّ)
الظاهر لهم اليوم (الْمُبِينُ) للحق ، والمحتجب اليوم عن الأبصار ،
المحتجب عن قلوب الغافلين ، كما يحتجب عنهم ظهوره يومئذٍ إلا إعلامًا منه لهم
بلقاء يعبر عنه بالوقوف والوقف ، فعاد وصف النشء على المخلوق المربوب
المعبد ، والحق بما هو الحق وصفه بالحجب والظهور ونحو هذا .
أتبع ذلك قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ...(80)
الموتى: هم الكفار والمكذبون ، والصم: هم الجهال ، فلو أقبلوا إلى الله وأذعنوا
للحق وسماع الوحي ، فبالخيرات يتحصل لهم ما كتبه من السمع ، فأمَّا من أدبر
وتولى تولى الله عنه بنعمته ، وأعرض عنه بكرامته ؛ جزاءً لنوليه وإعراضه ، والله الغني
الحميد .
والصم ؛ هم الذين لا يسمعون الوحي ، ولا يقفون على حقيقته ، والعمي: هم
الذين لا يرون الآيات في الأرض ولا في السماء ولا في أنفسهم وفيمن خلا من
المهلكين ، إنما يسمع الرسول من آمن بالله وآياته ، فكلما زاد من ذلك زاد إسماع
الوحي له حتى يرى بعين اليقين ، وكلما تبصر الناظر في الآيات أبصر ، وكلما أبصر
زاده الله إبصارًا ، فكلما أغرق في ذلك أكسبه حياءً وإيمانًا ، وحقق له صفاته ، حتى أنه
ربما رأى ما أسمع وسمع ما رأى ، فيرى بباطنه الغيوب ويشاهد بباطنه المكون ،
كذلك يسمع الصوامت تهزج بالتسبيح ، والجوامد تعلن بالشهادات لربها والتمجيد
والتحميد .
فإنه من ألقى سمعه إلى ما جاءه به الرسول ، ومن ألقى ببصره إلى شواهد
الموجودات وتحقق الحق ، يجري في مسالكه تولاه مولاه ، ورفعه إلى سماع ما لا
يسمعه الغافلون ، ورؤية ما لا يراه المعرضون ؛ لذلك قال ، وهو أعلم: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا
مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) . أي: إنما يسمع الذكر من أحياه الله
بالإيمان ، وحلاه بحلية الإسلام ، وأذعن للحق ، واقتفى واقتدى .