ذهب فيما هنالك أو فضة مِلاطها المسك برزت بمقاصير وقباب من الدر والياقوت
في رياض الجنات ، أضواء أجوائها من نور العرش ، أزواجهم فيها الحور الحسان ،
وزوارهم الملائكة الكرام ، وخدمهم الوصائف والولدان ، يحبرون فيها ويكرمون
تحيتهم فيها (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) . فهذه نعم نفع ودفع يمتعون
فيها وبها إلى حين ينقلبون إلى تلك أو بدار لا موت فيها ولا سكنًا ولا خير يلقونه ،
لا يستقرون فيها على أرض أبدًا ولا تظلهم سماء فيها أبدًا ، ولا يذوقون لذيذ
الشراب والطعام أبدَا ، ولا تفارقهم آلام أنواع العذاب والجوع والعطش أبدًا لا إلى
حين، بل إلى أبد الأبد .
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله جل وعز: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ
بَأْسَكُمْ ... (81) السرابيل اسم يقع على الملبس القميص والدروع ونحو
ذلك: المراد الأول بهذا الخطاب وهو أعلم بما ينزل: الإعلام بأنه سخر لنا في هذه
الحياة الدنيا جبالها وسماءها وأرضها وقمرها وأفلاكها ونجومها ورياحها وحيوانها
ونباتها نعم نفع ودفع رحمة منه وفضلًا ، ليس كذلك أهل النار - أعاذنا الله الرحيم
برحمته منها - لا يسخر لهم شيء مما فيها ، ولا مما كان لهم قبل في الدنيا مسخر ،
بل يسلط عليهم أشد التسليط ، وأبعده من الرفق والرحمة يأتيه الموت من كل
موجود منها لو كان ميتًا .
يقول الله - عز وجل - لهم في الدنيا: (قل) يا محمد (تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30) .
ثم قال عز من قائل: (كذَلكَ) الكاف للتشبيه ، والمشبه به ما تقدم
ذكره من النعم والإنعام بمنِّه ؛ أي ؛ كما أنعم عليكم يا أهل الإيمان بذلك في
الدنيا كذلك (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) بالشكر له (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) ،
فإنكم إن أسلمتم تسلمون غدًا في الدار الآخرة من العذاب ،
قرأ بذلك ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - بفتح اللام والتاء ، كذلك قال