نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) . لما كان الهوى أبدًا ينسب
إلى الشمال والوراء والتحت ، سبحانه وله الحمد ، ما أحكم آياته وأغرب أحكامه ! .
معنى قوله هذا منتظم بما استاق من أجله المثل ، لما ذكر ما اتخذوه من أولياء
لا غنى عدهم ولا دفع ولا نفع ذكر خلقه السَّمَاوَات والأرض ، وأنه خلق ذلك
بالحق الذي هو كلمته وقدرته ومشيئته وعلمه ، وبما هو له من الأسماء الحسنى
والصفات العلا ، فعبر كلمه عن إرادته وقدرته وعلمه ، وعبرت إثارته في مصنوعه
عن أسمائه وصفاته ، وعنونت إرادته عن مراده فيه ومنه كونا وشرعا ، وعنون
المصنوع عن أوصاف ما انتزع منه وهي الدار الآخرة ، فدار الدنيا سماواتها وأرضيها
وما بين ذلك تُنبئ بما فيها عما كانت عنه وانتزعت منه ، فتفهم هذد الجملة ، وترفق
في نظرك ، وتلطف لإيمانك ؛ ولتكن قاعدتك التي تؤسس عليها .
نبأك قوله الحق: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) واجعل معقلك الذي
تلوذ به وتحترز به قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ (27) . فهذا - وفقنا الله وإياك - وما أكثر من هذا من آيات الله - عز وجل -
فيما خلقه للمؤمن ، فاستفتح الأبواب ، وترق في الأسباب ، عسى أن ينهضك إلى
منزلة الممدوحين بالعلم بقوله: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) .
قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ...(45) إلى قوله:(وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)لما ذكر الجهاد والمجاهدة بعد ذكر الابتلاء
والمحنة ، وذكر ما المجاهدين فيه ، وما تحملوه في ذاته وتبليغ رسالاته ، وذكر
إنجاءه المستحبين من عباده واتباع رسله وإهلاكه المكذبين لهم ، وبيَّن ضعف ما
اتخذوه من دونه من أولياء ووهنهم ، دلَّ رسوله - عليه السلام - على ما ينجيه من الفتن ،
ويستنقذه من المحن ، ويسعد به لديه ويحظى عنده .
فأمره بتلاوة الوحي واتباع الكتاب المنزل عليه ، وإقام الصلاة ، فإنها تنهي عن
الفحشاء والمنكر ، وذلك أن الصلاة بما هي من إقامتها بشروطها من خشوع
وخضوع وإخلاص له ، وعلم بمن يقصد المصلي ومن يناجي ومن المواجه له فيها ،
ومن مخاطبة ينفر الشيطان الآمر بالفحشاء والمنكر ، وإذا تباعد الشيطان يوجد في
قلبه الإيمان والخضوع لله والخشوع له ، ثم إلى مثلها كذلك إلى مثلها هكذا ، فهي