كانت منه كلمة إنباء سبقها إليه رب العالمين ، رأى عينه نارًا ، فوجد نورًا وكلمه من
النور نور الأنوار رب العالمين ؛ لذلك قال ، وهو أعلم: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ
مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ... (8) . دخول"أن"هنا دليل على أن الكلام مترجم
عن كلام الله - جل ذكره - كأنه قال نودي بكلام معناه:(بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ
حَوْلَهَا)إلى قوله: (وَأَلْقِ عَصَاكَ) وقد قال في غير هذا
الموضع: ( وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) وفي قراءة أبي:"أن بوركت النار ومن"
حولها من الملائكة"وهذه قراءة صحيحة لأن ذلك المرئي هو نور رب العالمين"
-جلَّ جلالُه - ومن حولها موسى والملائكة ، عليهم السلام .
(وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) نزَّه نفسه العلي الأعلى عن أن يحيط
به مكان أو يحضره زمان تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا(بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ
حَوْلَهَ)تبريك من الله على ما ذكره: فلقد بورك فيها وعلا شأنها من نار
ذهب بقبسٍ منها لصلا فآل شأنها إلى أنها نور رب العالمين ، وكان هو رجلًا من
البشر فصار نبيًا رسولًا ، ثم إلى ما آل إليه أمره بعد ذلك .
قوله تعالى: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(9) . الضمير الذي في
قوله:"إنه"هو بمعنى الأمر والشأن ، ونون"أنا"أكبر حرف وأكرم نون ، لا مثل لها
إلا عزمًا عما عبرت هي عنه ، وأعلم بما أعلمت به .
كذلك قال في موضع آخر: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى(11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)
أي: أن مكلمك هو ربك ، والذي ترى نوره هو ربك .
وقال في موضع آخر: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
لِذِكْرِي (14) . تنبه لها ولا تنم .
كذلك قال في موضع آخر: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي
الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)