عن المعنى: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) تلقى الوحي كما تلقى المرسلون(إِذْ
قَالَ مُوسَى)المعنى كما قال: (يس(1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) .
ومعنى قوله: تلقى تلقن ، واللقن يكون بمعنى الفهم ، ويكون بمعنى التعليم ،
كالمعلم يقرأ الآية على المتعلم ، ثم يقرؤها المتعلم كما سمعها منه ، ويقال: لقاك الله
خيرًا بمعنى: أعطاكه الله ورزقكه ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلقى القرآن من عند اللَّه ، ومن الله
بواسطة المَلك ، ولو شاء أن يفعل ذلك به من غير واسطة لفعل ، وقد أمره ألا يحرك
به لسانه حين يقرأه الملك - عليه السَّلام - ووعده بأن يجمعه في صدره ، ويجعله قرآنًا على
لسانه ، فكان الملك - عليهما السلام - يأتيه بالآية أو السورة فيقرؤها عليه وهو
ساكت ، فإذا ذهب عنه قرأه كما قرأه عليه الملك ، فهذا - والله أعلم - معنى خاصة .
قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6) . كذلك قال
في سورة الشعراء عطف بالواو في قوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ (10) . على ما تقدم ذكره من ذكر آياته في الوجودين العالم
والوحي ، وإنما ذلك تذكير بما تقدم من سنته وحكمه في الأمم قبلهم ، وتذكير
برسالاته وما تبع ذلك من مجازاة بثواب وعقاب وإنذار وإعذار وغير ذلك .
ثم جعل يسرد ذكرهم رسولًا رسولا وأمة أمة في آخر كل قصة ، يقول:(إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَةً)ثم عطف على ذلك كله ذكر القرآن بقوله: (وَإِنَّهُ
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) . إلى آخر السورة ، وقد تقدم ذكر هذا (وَاللَّهُ
يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) .
قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه عن موسى - عليه السَّلام -: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أحسست
نارًا رأيتها بعيني ، وهو من الحاسة ، وآنست أيضًا علمت ، وهو علم القلب ، لعلي
آتيكم (مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) أي: بشعلة نار أو قبس ، يريد
شيء مأخوذ منها .
وقال في موضع آخر: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ
تَصْطَلُونَ (29) . الجذوة العود أو الشيء ، قد اتخذت فيه النار .
وفي موضع آخر: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى(10)