ثم قال ، عز من قائل: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ(49)
جمع هذا بين ظاهر ما أبطنه وباطن ما أظهره بتكرار لفظ القبل ، تقدير
الكلام والله أعلم بما ينزل: (وَإِنْ كَانُوا) أي: المؤمنين (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ)
الوحي (لَمُبْلِسِينَ) أي: مجدين لما جاءهم به الوحي من التوحيد والعلم بالله
واليقين بالدار الآخرة وبلقاء الله ، ويمكن أن يكون معناه زائدًا إلى هذا (لَمُبْلِسِينَ) ، أي:
داخلين في الإبلاس واللعن ، كما يقال:"منجد ومتهم"لداخل نجد وتهامة ، كما
قال: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) .
وأمَّا قوله - جل ذكره - من قبله ، أي: من قبل إنزال الله الماء من السماء
رجوعًا إلى ظاهر المثل ، ويكون قد أبطن وصفهم فيكون يقظين أو ناسين ، فيكون
الضمير في قبله راجعًا على الغياث بالماء .
قوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ...(50)
الروم: 150 هذا الماء وقوله: (إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) يصلح أن يكون وصفًا للوحي
أيضًا ، فيكون المراد بالأرض: الأجسام والجوارح ، وإحياؤها بالعمل بالطاعات
والإيمان والإسلام ، ويصلح أن يكون المراد: الأرض وما يخرجه منها بالماء ،
وحسب الناظر إلى رحمة الله ما أصلح به من العباد ، لذلك قال عز من قائل:(إِنَّ
ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى)أي: من هؤلاء وهؤلاء (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
ثم قال عز من قائل: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا ...(51) . يعني: الزرع والجنات ،
ويصلح أن يكون ريحًا من الأمر تهيج فتنة وبدعة وضلالة(لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ
يَكْفُرُونَ)أتبع ذلك قوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) إلى
قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... (54) . أخبر - جل ذكره - بتدوار دوائر التقليب في أحوال