وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) .
(قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ ... (11) . هذا تنبيه لهم على خصوصية الله سبحانه من يشاء من عباده
ومنِّه عليهم بالنبوة والرسالة ، ومن استغرق معرفة في آيات الله وقف علمًا ويقينًا
أن الله - جلَّ ذكره - لو أطاعه الخلائق أجمعون في شأن الإيمان به والاستسلام له ،
والعمل بجميع ما يرضيه من العلم واليقين لذهب بهؤلاء من حيث أتى بقومٍ
يجهلون ويعلمون ويؤمنون ويكفرون ويطيعون ويعصون ، ويتخذ منهم أولياء
وأنبياء ، ويصطفي منهم الرسل والأولياء ، ويجعل منهم الأباعد والأعداء .
قال الله جل ذكره:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ
شَيْءٍ).
ثم قالوا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:(وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)أي: إنا لا نقدر على ذلك إلا بإذن الله في ذلك ، فيفعل ذلك بقدرته
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) قولهم هذا - صلوات الله
وسلامه على جميعهم - يدل على أنهم على حرصهم على هداية أممهم لا يسألون
ربهم الآيات ، بل يتوكلون على الله في ذلك حتى يأتيهم الله بالفتح من عنده وبالفرج
من لدنه ، ويمكن أن يكون معنى قولهم ، أعني: الأباعد .
(فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بما يخبرنا بتصديقكم ، أو يجعل في
قلوبنا تصديق ما تزعمونه ، فقد قال هذا أمم ضالة ، والسلطان: الحجة ، وهو القهر
والغلبة .
قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِنَا ... (13) . رسل الله - جلَّ جلالُه - إلى عباده نعمة منه عليهم توجه عليهم واجب شكرها ، فإن
كذبوهم وأخرجوهم من بينهم فقد بدلوا نعمة اللَّه كفرًا ، وكذلك شواهده وآياته
ودلائله في سماواته وأرضه ، فتعاموا عنها وتبالهوا وكذبوا ، فقد بدلوا نعمة الله كفرًا ،
وأحلوا قومهم دار البوار ، وهو العذاب في الدنيا والآخرة .