أن يغفر له منهم ، ولا بإخراج من النار بعد إدخاله إياهم فيها رحمة منه - جلَّ جلالُه - بعباده ،
لحكمة بالغة له في حكمه ؛ ليسوق عباده بصوت وعيده إلى رحمته ؛ إذ علم - جلَّ جلالُه - أن
في عباده الغفول الذي لا يستحق أن يوصف بحياة ، لانهماكمه في شهواته ، وانتهاكه
في خلافه وقلة مبالاته بما هو صائر إليه .
ولا يستحق أن يوصف بالموت كله ، إذ قد شهد بشهادة الحق في أصل
معرفته ، ودخل في صفقة أهل التوحيد في جملة شأنه ، فمتى ذكر أو ذكِّر بالنار جزاء
لسيئاته سبق وهله إلى الخروج منها برحمة الشفاعة ، فأغمض جهلًا منه ، وجرأة
على ربه ما بين ذلك كقول أولئك: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
فغرَّه جهله بربه وغفلته وسوء رأيه .
ولقد بلغنا - والله أعلم - أن أحدهم ليمكث فيها مثل عمره ، وقد جاء في
بعض ما يؤثر عن بعض السلف أن رجلًا يمكث فيها مقدار ألف سنة .
قال الحسن البصري ، رحمة الله عليه: ليتني ذلك الرجل .
فأجمعت النفوس كلها في الطمع في رحمة الله تعالى وكريم ثوابه ، فمن
مصيب في طلبه وطمعه ومن مخطئ ، فأما أهل المخافة ففكروا في الخلود وفرقوا
منه جدًّا ، فتمنوا الخروج منها ولو على بعد ونأي طويل ؛ إذ لم يرو أنفسهم للخروج
منها أهلًا ، وأما أهل الغفلة عن أنفسهم وعن أعمالهم فأغمضوا على موضع العقاب
ولم يقدروا قدره"لموتهم عن إحساسها بالحزن عليها ، والخوف منها في الدنيا ."
(فصل)
ثم جعل جلَّ ذكره يعدد كفرانهم ونقضهم العهود التي كانوا يستوجبون بالوفاء
بها الوفاء من الله تعالى بالجنة ، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ... (83)
إلى قوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) مفهوم هذا
فبالإعراض بعد الإقبال ، والتولي بعد القول يستحق الثواب وينجى من العقاب .
ثم قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ