فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 2809

أن يغفر له منهم ، ولا بإخراج من النار بعد إدخاله إياهم فيها رحمة منه - جلَّ جلالُه - بعباده ،

لحكمة بالغة له في حكمه ؛ ليسوق عباده بصوت وعيده إلى رحمته ؛ إذ علم - جلَّ جلالُه - أن

في عباده الغفول الذي لا يستحق أن يوصف بحياة ، لانهماكمه في شهواته ، وانتهاكه

في خلافه وقلة مبالاته بما هو صائر إليه .

ولا يستحق أن يوصف بالموت كله ، إذ قد شهد بشهادة الحق في أصل

معرفته ، ودخل في صفقة أهل التوحيد في جملة شأنه ، فمتى ذكر أو ذكِّر بالنار جزاء

لسيئاته سبق وهله إلى الخروج منها برحمة الشفاعة ، فأغمض جهلًا منه ، وجرأة

على ربه ما بين ذلك كقول أولئك: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)

فغرَّه جهله بربه وغفلته وسوء رأيه .

ولقد بلغنا - والله أعلم - أن أحدهم ليمكث فيها مثل عمره ، وقد جاء في

بعض ما يؤثر عن بعض السلف أن رجلًا يمكث فيها مقدار ألف سنة .

قال الحسن البصري ، رحمة الله عليه: ليتني ذلك الرجل .

فأجمعت النفوس كلها في الطمع في رحمة الله تعالى وكريم ثوابه ، فمن

مصيب في طلبه وطمعه ومن مخطئ ، فأما أهل المخافة ففكروا في الخلود وفرقوا

منه جدًّا ، فتمنوا الخروج منها ولو على بعد ونأي طويل ؛ إذ لم يرو أنفسهم للخروج

منها أهلًا ، وأما أهل الغفلة عن أنفسهم وعن أعمالهم فأغمضوا على موضع العقاب

ولم يقدروا قدره"لموتهم عن إحساسها بالحزن عليها ، والخوف منها في الدنيا ."

(فصل)

ثم جعل جلَّ ذكره يعدد كفرانهم ونقضهم العهود التي كانوا يستوجبون بالوفاء

بها الوفاء من الله تعالى بالجنة ، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ

إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ... (83)

إلى قوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) مفهوم هذا

فبالإعراض بعد الإقبال ، والتولي بعد القول يستحق الثواب وينجى من العقاب .

ثم قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت