أشرف الذوات إلى مشيئته ، وإن كان في ذلك عطبهم الأبدي ، إذ في ذلك إمضاء
مشيئته وتصديق كلمته .
قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(26) . انتظم معنى هذا
الخطاب بمعنى تمدحه على اقتداره وقهره الذوات ، وسوفه إياها بمرادها إلى مراده
منها وبها ، ثم قال - جل من قائل: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) في
مقابلة قوله: (فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) أي: فإن هذا مرادنا الكوني منه ،
فافهم .
أتبع ذلك قوله الحق: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ... (27) أخبر - كل ذكره - وهو أعلم
بما ينزل في صدر السورة ومفتتحها بما حواه اللوح المحفوظ من خلق وأمر ، وأخبر
في هذه بما أوجد ذلك وهو كلمة .
قال الله عز من قائل: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(40)
واستشهد بما يظهر من ذلك على وحدانيته وقدرته وعلمه وحياته ،
وعلى وجوده وقيوميته ، وأخبر في هذه عن كلمة ، وكلمته صفته ، وصفاته لا تفنى
ولا تبيد ، والبحر وما ضوعف إليه وإن بولغ في التضعيف على جميع وجوده إلى
أبعد غاياته ، وزيد إلى ذلك إلى أقصى عدد العادين من أهل السَّمَاوات والأرضين ،
كل ذلك يفنى ويبيد ، وصفاته العليا لا توصف بفناء ، ولا يتوهم لها غاية ولا انتهاء ،
كيف وإنما جميع ما حواه اللوح المحفوظ هو كلمة من كلماته ، أوجد من
مقتضياتها ما شاء كيف شاء ، وأضرب عن إيجاد ما لم يشأ إيجاده لما شاء ، إذ قال
للقلم:"اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"فحد له حدًّا بلغه إليه ، وقال له:"اكتب"
المقدار"فانهى له نهاية لم يعدها ، وقال له:"اكتب علمي في خلقي"فمتى يفنى"
علمه أو يتصور نفاذ كلمه سبحانه لم يجعل لعباده من معرفته أعظم من الإقرار بأنه
لا نهاية لمعرفته .