فهرس الكتاب

الصفحة 2071 من 2809

أشرف الذوات إلى مشيئته ، وإن كان في ذلك عطبهم الأبدي ، إذ في ذلك إمضاء

مشيئته وتصديق كلمته .

قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(26) . انتظم معنى هذا

الخطاب بمعنى تمدحه على اقتداره وقهره الذوات ، وسوفه إياها بمرادها إلى مراده

منها وبها ، ثم قال - جل من قائل: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) في

مقابلة قوله: (فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) أي: فإن هذا مرادنا الكوني منه ،

فافهم .

أتبع ذلك قوله الحق: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ

بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ... (27) أخبر - كل ذكره - وهو أعلم

بما ينزل في صدر السورة ومفتتحها بما حواه اللوح المحفوظ من خلق وأمر ، وأخبر

في هذه بما أوجد ذلك وهو كلمة .

قال الله عز من قائل: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(40)

واستشهد بما يظهر من ذلك على وحدانيته وقدرته وعلمه وحياته ،

وعلى وجوده وقيوميته ، وأخبر في هذه عن كلمة ، وكلمته صفته ، وصفاته لا تفنى

ولا تبيد ، والبحر وما ضوعف إليه وإن بولغ في التضعيف على جميع وجوده إلى

أبعد غاياته ، وزيد إلى ذلك إلى أقصى عدد العادين من أهل السَّمَاوات والأرضين ،

كل ذلك يفنى ويبيد ، وصفاته العليا لا توصف بفناء ، ولا يتوهم لها غاية ولا انتهاء ،

كيف وإنما جميع ما حواه اللوح المحفوظ هو كلمة من كلماته ، أوجد من

مقتضياتها ما شاء كيف شاء ، وأضرب عن إيجاد ما لم يشأ إيجاده لما شاء ، إذ قال

للقلم:"اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"فحد له حدًّا بلغه إليه ، وقال له:"اكتب"

المقدار"فانهى له نهاية لم يعدها ، وقال له:"اكتب علمي في خلقي"فمتى يفنى"

علمه أو يتصور نفاذ كلمه سبحانه لم يجعل لعباده من معرفته أعظم من الإقرار بأنه

لا نهاية لمعرفته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت