فهرس الكتاب

الصفحة 2565 من 2809

وأما تسبيح ما في الآخرة وسجوده فتسبيح جهنم والجنة في الفيح والفتح ، وما

يكون عنهما في هذه الدار دلالة عليه ، ألا تراه كيف سخر جهنم لعباده وجعل لهم

منها جنات وثمرات وفواكه وزروعًا ومعايش وحيوانًا ، ومن ليسوا له برازقين ، ثم ما

عنده في خزائنه من شيء فهو له فيما هنالك مسبح ساجد عابد ؛ دل على ذلك إنزاله

إياه إلى ما هنا بقدر معلوم ، وتفصيله إلى ما فصله من شيء ، وتسخيره لعباده أتم

تسخير ، فلذلك أمر بالتسبيح اقتداءً بالموجودات في الدنيا والآخرة .

قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) . قرئ هكذا بالمد ، وقرأ

الحسن وغيره: ["فَلَأُقْسِمُ"] بالقصر ، وكذلك في الحاقة والقيامة ، فمن قرأ بالقصر

فاللام للتأكيد وأقسم للقسم ، ومن قرأ بالمد فقوله: (لا) رد لكاذب مقالهم ، وقوله:

(أُقْسِمُ) إخبار عن قسمه ، ويتوجه إلى معنيين:

أحدهما: أن يكون قوله:"لا"رد لكلام قد تقدم ، وإنكار لمذهب غير مرضي ،

إذ اليمين قد تكون ابتداء من الحالف وتكون ردًا لكلام قد تقدم وجحدًا له ، فيكون

ذلك قسمًا على كذب الكاذب ، وذلك أنهم لما أنكروا البعث بعد الموت وكفروا به

وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، فحرف (لا) في مقابلة ذلك

منهم ، والقسم لتحقيق الحق وآياته الذي يأتي ذكره بعد ، والقسم بنفسه يكون

لإثبات صدق المخبر ، كقولك: والله ما خرج زيد ، فيكون بذلك مخبرًا عن تركه

الخروج ، وتقول: لا والله ما زيد بخارج ، فيكون ذلك ردًا لقول من زعم أنه خارج

وإنكارًا له .

فكذلك لما قال الكفار: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) إلى آخر

قولهم في الرسالة والقرآن من سحر وشعر وأساطير الأولين وكاهن ومجنون ونحو

هذا قال - جل من قائل: (فلا) ردًا لقولهم وتكذيبًا لهم ثم أقسم بمواقع النجوم

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) . كأن قال - عز من قائل: (فَلَا) أي: ليس كما

زعمتم أقسم بمواقع النجوم ما أنتم بصادقين في قولكم هذا من تكذيبكم بالبعث ،

و (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) .

ووجه ثالث: وهو أن يكون قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)

أي: لست بمقيم بمواقع النجوم (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76) . لكني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت