وأما تسبيح ما في الآخرة وسجوده فتسبيح جهنم والجنة في الفيح والفتح ، وما
يكون عنهما في هذه الدار دلالة عليه ، ألا تراه كيف سخر جهنم لعباده وجعل لهم
منها جنات وثمرات وفواكه وزروعًا ومعايش وحيوانًا ، ومن ليسوا له برازقين ، ثم ما
عنده في خزائنه من شيء فهو له فيما هنالك مسبح ساجد عابد ؛ دل على ذلك إنزاله
إياه إلى ما هنا بقدر معلوم ، وتفصيله إلى ما فصله من شيء ، وتسخيره لعباده أتم
تسخير ، فلذلك أمر بالتسبيح اقتداءً بالموجودات في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) . قرئ هكذا بالمد ، وقرأ
الحسن وغيره: ["فَلَأُقْسِمُ"] بالقصر ، وكذلك في الحاقة والقيامة ، فمن قرأ بالقصر
فاللام للتأكيد وأقسم للقسم ، ومن قرأ بالمد فقوله: (لا) رد لكاذب مقالهم ، وقوله:
(أُقْسِمُ) إخبار عن قسمه ، ويتوجه إلى معنيين:
أحدهما: أن يكون قوله:"لا"رد لكلام قد تقدم ، وإنكار لمذهب غير مرضي ،
إذ اليمين قد تكون ابتداء من الحالف وتكون ردًا لكلام قد تقدم وجحدًا له ، فيكون
ذلك قسمًا على كذب الكاذب ، وذلك أنهم لما أنكروا البعث بعد الموت وكفروا به
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، فحرف (لا) في مقابلة ذلك
منهم ، والقسم لتحقيق الحق وآياته الذي يأتي ذكره بعد ، والقسم بنفسه يكون
لإثبات صدق المخبر ، كقولك: والله ما خرج زيد ، فيكون بذلك مخبرًا عن تركه
الخروج ، وتقول: لا والله ما زيد بخارج ، فيكون ذلك ردًا لقول من زعم أنه خارج
وإنكارًا له .
فكذلك لما قال الكفار: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) إلى آخر
قولهم في الرسالة والقرآن من سحر وشعر وأساطير الأولين وكاهن ومجنون ونحو
هذا قال - جل من قائل: (فلا) ردًا لقولهم وتكذيبًا لهم ثم أقسم بمواقع النجوم
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) . كأن قال - عز من قائل: (فَلَا) أي: ليس كما
زعمتم أقسم بمواقع النجوم ما أنتم بصادقين في قولكم هذا من تكذيبكم بالبعث ،
و (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) .
ووجه ثالث: وهو أن يكون قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)
أي: لست بمقيم بمواقع النجوم (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76) . لكني