العبرة من موجودات الدُّنْيَا إلى موجودات الآخرة ، وسبيل حكمته في ذلك
بقوله جل قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...(3) . إلى قوله
(بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4) . لما كان اسمه - جلَّ جلالُه - هو المفطور على معرفته من كل
شيء ، ولزوم الوله النفوس به والألسنة اللهج بذكره ؛ ذلك لأنه الأول والآخر
والظاهر والباطن بحقيقة هذه الأركان ، وهو الذي لا أحق منه حقيقة . ولا أكرم
وجودًا حضورًا وشهادة وقربًا .
وعلى مقدار وجود المعارف يكون وجود أضدادها ، أوجد - جلَّ جلالُه - لهذا التيقظ من
المخلوق لكريم هذا الظهور نومة عنه ، وغفلة عن تذكره ، وغيبة عن مشاهدته ، ثم
أنشأ ذلك في حق البعض حتى غلظ الحجاب وأعضل الداء ، ولأنهم جبلوا على
الفقر وخلقوا بفرق طلبوا منافعهم التي دفعتهم لها ضرورةا الفاقة .
ولاختلافهم في أولية الاصطفاء ومقتضى المشيئة فيهم اختلفوا في تطالبهم ذلك .
وعند من يطلبونها ، وكيف يمتثلون ذلك ، وبطلبهم إياها نسبوها إلى من ليس
بولي لها ، وسألوها من لا يملكها ، واستنصروا واستدفعوا مضارهم بمن ليس
إليه دفعها فتعبدوا الله - عز وجل - للأسباب وأسباب الأسباب عندما رأوا أن الله جل ذكره قد
جعلها ظرفًا لمقاديره وخزائن لأنعمه ، وطلبوا الشفاء لحوائجهم ، وتوسلوا إلى
موجدها جل وتعالى بمن لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا .
ثم قصرت عقولهم عليها فدانوا لها وأشركوا بها لما لم يرتقوا في