على الله يسير ، كل في كتاب مبين (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا
يَنْسَى (52) . ومن وقي العناد هدي إلى الرشاد .
قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ...(73) . إلى آخر
المثل ، هذا كله خطاب في معنى الرد على المجادلين في الله الذين أجرى ذكرهم
في صدر السورة ، أعلمهم في هذا المثل بضعف آلهتهم ، وأنهم لا يملكون من
دون اللَّه ضرًا ولا نفعًا ولا دفعًا ، ولا يملكون رزقًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ،
قد عُبد المسيح وقوم من الملائكة - عليهم السلام - والشمس والقمر والنجوم
والنار ، فلو اجتمع هؤلاء وكل معبود من دون الله على خلق ذباب لم يأذن الله
بخلقه ، أو أن ينفخوا فيه الروح فيحيونه ولو تضافر على ذلك جميع من في
السماوات والأرض لم يقدروا على ذلك ، إلا أن يأذن الله فيه ، فهو إذًا الخالق له
وحده ، لا شريك له ولا ظهير.
ومعنى خلقه: أن يوجدوا أجزاءه عن عدم إلى وجود ، وينفخوا فيه الروح من
غير وصف الاتصال بالروح العليِّ والمشيئة والقدرة المحيطة ، ثم وصفهم بقلة
الانتصار وبخاصة من المعبودات الأصنام والأوثان وما لا يعقل ، فهم لا ينتصرون
من ذباب ، فكيف بأن ينتصرون من عذاب الله أو ينصرون سواهم .
ثم وصف نفسه - جلَّ جلالُه - بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(74) . لما وصف
أولئك بالوهن والذلة والضعف اتصف هو بما هو أهله من صفتي القوة والعزة ، لا
يطلب شيئًا فيفوته ، ولا يعازه أحد ولا يمانعه إلا غلبه .
ثم قال - عز من قائل: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(75) و (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) مما عملوه فبإذنه
وأمره ومعونته (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(76) . هو الأول في كل شيء
والآخر ، هذان الطرفان لا يملك المخلوقون منهما قليلًا ولا كثيرًا ، وهو الظاهر فيما