فهرس الكتاب

الصفحة 1788 من 2809

علوًّا وسفلًا ، وحيثما كان العرش فهو العلو من حيث هو عرش ، فلما خلق

السماوات والأرض وما بينهما واستوى على العرش وهو الرحمن الحي القيوم ؛

فلأنه الحي الحق حييت الجملة به ، ولأنه القيوم قام كل شيء بأمره وإقامته له

وإمساكه إياه ؛ ولأنه الرحمن تواشجت الأرحام وتعلقت وتواصلت بعضها ببعض ،

فتماشج لذلك الموجود كله ولزم كل ذي وجود وجوده ، فليس شيء يعزب عنه

علمه في الأرض ، ولا في السماء مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر .

ثم إلى هذا فإن اللوح المحفوط خلقه خالقه لؤلؤة أثبت فيه علم كل شيء ، فلا

قاعد ولا قائم ولا نائم ولا متحرك ولا ساكن إلا وقد انطبعت حالته في اللوح

المحفوظ ، فلو لم يكن ما تقدم ذكره لقام هذا كل مقام وحال مشاهدة وعلمًا وغير

ذلك .

ثم إلى هذا فإنه كتب في اللوح المحفوظ كل شيء شاء إيجاده ، والمعهود أن

الكتاب عندنا يعطي الإعلام قارئه إخبارًا عن ذلك ، فتوهم فضل ما بين من

يحسن الكتابة والقراءة ، وبين من لم يعلمه الله ذلك ، وكما شاء عدم من هو يقرأ

كتاب ربه بما أخبر عنه من أمره وشأنه على علم من لا يحسن قراءته ، فاقض إذًا

بصحيح عقلك وصحة إيمانك تعلم من إليه المنتهى بكتاب اللوح المحفوظ ، وأنه

يعلم منه المشاهدة الفائقة لا ريب في ذلك .

لذلك يقول - عزَّ من قائل - عند ذكر ما هذا سبيله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ)

ولأنه علم كل شيء من ذاته ، فهو كما يعلم نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه -

بذلك يعلم ما خلقه وما هو خالقه وما هو لا يخلقه أبدًا ؛ لشمول وجوده العلي كل

شيء ؛ لهذا وما هو به أعلم قال وقوله الحق: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)

وكما يعلم أحدنا نفسه ويتحصل له العلم بوجودها بغير معاناة ولا وجود مدة ، فالله

لا إله إلا هو أعلم وأجل قدرًا ، له المثل الأعلى في السماوات والأرض ، إن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت