علوًّا وسفلًا ، وحيثما كان العرش فهو العلو من حيث هو عرش ، فلما خلق
السماوات والأرض وما بينهما واستوى على العرش وهو الرحمن الحي القيوم ؛
فلأنه الحي الحق حييت الجملة به ، ولأنه القيوم قام كل شيء بأمره وإقامته له
وإمساكه إياه ؛ ولأنه الرحمن تواشجت الأرحام وتعلقت وتواصلت بعضها ببعض ،
فتماشج لذلك الموجود كله ولزم كل ذي وجود وجوده ، فليس شيء يعزب عنه
علمه في الأرض ، ولا في السماء مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر .
ثم إلى هذا فإن اللوح المحفوط خلقه خالقه لؤلؤة أثبت فيه علم كل شيء ، فلا
قاعد ولا قائم ولا نائم ولا متحرك ولا ساكن إلا وقد انطبعت حالته في اللوح
المحفوظ ، فلو لم يكن ما تقدم ذكره لقام هذا كل مقام وحال مشاهدة وعلمًا وغير
ذلك .
ثم إلى هذا فإنه كتب في اللوح المحفوظ كل شيء شاء إيجاده ، والمعهود أن
الكتاب عندنا يعطي الإعلام قارئه إخبارًا عن ذلك ، فتوهم فضل ما بين من
يحسن الكتابة والقراءة ، وبين من لم يعلمه الله ذلك ، وكما شاء عدم من هو يقرأ
كتاب ربه بما أخبر عنه من أمره وشأنه على علم من لا يحسن قراءته ، فاقض إذًا
بصحيح عقلك وصحة إيمانك تعلم من إليه المنتهى بكتاب اللوح المحفوظ ، وأنه
يعلم منه المشاهدة الفائقة لا ريب في ذلك .
لذلك يقول - عزَّ من قائل - عند ذكر ما هذا سبيله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ)
ولأنه علم كل شيء من ذاته ، فهو كما يعلم نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه -
بذلك يعلم ما خلقه وما هو خالقه وما هو لا يخلقه أبدًا ؛ لشمول وجوده العلي كل
شيء ؛ لهذا وما هو به أعلم قال وقوله الحق: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)
وكما يعلم أحدنا نفسه ويتحصل له العلم بوجودها بغير معاناة ولا وجود مدة ، فالله
لا إله إلا هو أعلم وأجل قدرًا ، له المثل الأعلى في السماوات والأرض ، إن ذلك