فهرس الكتاب

الصفحة 2804 من 2809

كما يتصف بالضعة والذل والمهانة والقسوة والحرج والخرق والصغر والذلة

والكذب والكفر والنفاق ، إلى غير ذلك من صفاته ، ذلك بأنه خلقه من ممتزج

أمشاج ما تقدم ذكره موجودًا في العالم ، لكنه سبق برحمته في غضبه ، فخلقه أحسن

خلقة ، وصوره أحسن تصوير ، وفطره أحسن فطرة ، فإن هو أمشاه على الصراط

المستقيم صراط المنعَم عليهم فقد غلب رحمته على غضبه ، وإن أسفل به فقد

أمضى فيه مشيئته ولا معقب لحكمه وهو أحكم الحاكمين .

يقول - جل من قائل: أيها الإنسان ما يكذبك بعدما أراك من حكمه هذا فيك

وفي بني جنسك (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ(8) . الذي أبدع هذا المبدع

وصور هذا التصوير ، فأتقن جمع الكل في الجزء خلقًا وأمرًا وشبهًا ، فأحسن حين

أشبه المرء أباه وداره الدنيا ومعاده الآخرة والعلو والسفل ، وأنهى ذلك منه كل الكل

-جلَّ جلالُه - وتعالى شأنه اسمًا وصفات بينهن على معاني الذات ، جل الواحد الأحد عن

مثيل أو نظير أو عديل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11) .

ثم ينبعث عن هذا الوجود عبرة إلى معرفة نسبة خلق هذا الإنسان من خلق

السَّمَاوَات والأرض وخلقه العالم الأكبر ، ثم إلى علم عليٍّ يلقي الحكمة ويوقظ من

السنة ويهدي من الحيرة (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ

أَجْمَعِينَ (9) . فسبحان الله وله الحمد ، وتبارك الله أحسن الخالقين ، أبعد أن

خلقه على حسن هذه الخلقة وجمال هذه الصورة متصلًا واصلًا أسفل به إلى أسفل

الدركات وسلبه جلي حسن الأسماء والصفات .

أتبع ذلك قوله - عز من قائل: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...(6)

يقول: فلم يتركهم على خلقتهم حتى استعملهم بطاعته ، كما

استعمل ملائكته وسماواته وأرضه وما بين ذلك ، ثم أعلاهم إلى عليين وصور فيما

هنالك صورهم على مقادير علومهم وأعمالهم ويقينهم ، جمع ذلك في قوله:(فَلَهُمْ

أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).

نظم بذلك قوله الحق - عز جلاله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين(7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)

أي: بالجزاء على مراتبه ومقاديره علوًا وسفلًا ، خيرًا

وشرًّا ، أليس من الحق وواجب الوجود أنه من صور هذه الصور ومشجها بهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت