كما يتصف بالضعة والذل والمهانة والقسوة والحرج والخرق والصغر والذلة
والكذب والكفر والنفاق ، إلى غير ذلك من صفاته ، ذلك بأنه خلقه من ممتزج
أمشاج ما تقدم ذكره موجودًا في العالم ، لكنه سبق برحمته في غضبه ، فخلقه أحسن
خلقة ، وصوره أحسن تصوير ، وفطره أحسن فطرة ، فإن هو أمشاه على الصراط
المستقيم صراط المنعَم عليهم فقد غلب رحمته على غضبه ، وإن أسفل به فقد
أمضى فيه مشيئته ولا معقب لحكمه وهو أحكم الحاكمين .
يقول - جل من قائل: أيها الإنسان ما يكذبك بعدما أراك من حكمه هذا فيك
وفي بني جنسك (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ(8) . الذي أبدع هذا المبدع
وصور هذا التصوير ، فأتقن جمع الكل في الجزء خلقًا وأمرًا وشبهًا ، فأحسن حين
أشبه المرء أباه وداره الدنيا ومعاده الآخرة والعلو والسفل ، وأنهى ذلك منه كل الكل
-جلَّ جلالُه - وتعالى شأنه اسمًا وصفات بينهن على معاني الذات ، جل الواحد الأحد عن
مثيل أو نظير أو عديل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11) .
ثم ينبعث عن هذا الوجود عبرة إلى معرفة نسبة خلق هذا الإنسان من خلق
السَّمَاوَات والأرض وخلقه العالم الأكبر ، ثم إلى علم عليٍّ يلقي الحكمة ويوقظ من
السنة ويهدي من الحيرة (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ
أَجْمَعِينَ (9) . فسبحان الله وله الحمد ، وتبارك الله أحسن الخالقين ، أبعد أن
خلقه على حسن هذه الخلقة وجمال هذه الصورة متصلًا واصلًا أسفل به إلى أسفل
الدركات وسلبه جلي حسن الأسماء والصفات .
أتبع ذلك قوله - عز من قائل: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...(6)
يقول: فلم يتركهم على خلقتهم حتى استعملهم بطاعته ، كما
استعمل ملائكته وسماواته وأرضه وما بين ذلك ، ثم أعلاهم إلى عليين وصور فيما
هنالك صورهم على مقادير علومهم وأعمالهم ويقينهم ، جمع ذلك في قوله:(فَلَهُمْ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).
نظم بذلك قوله الحق - عز جلاله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين(7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)
أي: بالجزاء على مراتبه ومقاديره علوًا وسفلًا ، خيرًا
وشرًّا ، أليس من الحق وواجب الوجود أنه من صور هذه الصور ومشجها بهذه