وتلك آية الله على الحكم بالدلالة والأمارة عند عدم الشهود ، وهو حكم صحيح ،
وقد حكاه الله واستاقه في معرض المدح مصونًا للتحكيم به .
(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) .
قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يمكن
أن يكون هذا من البرهان الذي أراه الله - جلَّ جلالُه - فازدجر من أجله ، فينتظم لمعنى قوله:
(لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) رأى مرأى ما بعينه قائلًا له:(يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)ولما أسلمت بعد زمان فاجتمع مجتمع بها قال لها:(وَاسْتَغْفِرِي
لِذَنْبِكِ)ويدل على صحة هذا قوله لها: (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)
ولو كان القائل لها غيره وفي وقت الحكم لم يخلص ذلك منها للماضي ، أي: إنكِ
كنتِ من الخاطئين في مراودتك إياي وقولك لزوجك:(مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ
سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)وقولك للنسوة ما قلتِ وسجنك
إياي .
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ