والاختصاص ، وإنما يتم في عيسى - عليه السلام - بإتيانه المنتظر منه ، ورفع الله عيسى - عليه السلام -
وهما معًا الآن في حال الحياة عنده .
قوله تعالى فيما حكاه عن نبيه زكريا - عليه السلام -: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ...(40) . ولو كانت البشرى له بالولد بدءًا كبشرى
مريم بعيسى - عليه السلام - ، كأن يكون إعظامه لإتيان الولد في حال الكبر وعقم المرأة ، لكنه
كان هو الداعي السائل الراغب في الولد ، وهم أهل العلم بالله جل ذكره وأهل
القرب منه ، فكيف يتوجه هذا من مثله ؟!
أراه - والله أعلم - أن قوله:(رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي
عَاقِرٌ )تعجبًا منه من عظم اقتدار الله - جلَّ جلالُه - على مراده من جميع
الوجوه ، وسروره بمنزلته من ربه إذا بلغت رتبته - عليه السَّلام - عنده - جلَّ جلالُه - ، ومنزلته منه أن يخرق
له العوائد ، ويظهر له من المقدور الغائب بدعائه وسؤاله إياه ، كتعجب امرأة إبراهيم
-عليه السَّلام - صلوات وسلامه على جميعهم لما بشر بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ،
فصكت وجهها إعظامًا لذلك ، وتعجبًا من القدرة القاهرة والأمر العلي منه - جلَّ جلالُه - .
ثم ضحكت سرورًا منها بعظيم المنزلة من الله - جلَّ جلالُه - ، وسني المرتبة التي أهَّلها
لها ، و (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(72) .
[فأثاب] الله أهل ذلك البيت بشياع العلم فيهم أن أجابتها الملائكة -
صلوات الله وسلامه على جميعهم - بإذن الله - جلَّ جلالُه - وأمره .
(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: وأنت أمرأة بلغ من علمك بالله - عز وجل - إنك تعجبين
من أمره وعظيم قدرته وتصريف أمره على مشيئته(رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). لإيمانكم وعلمكم مجيد للعطاء كريم الجزاء ،
يرفع أوليائه وأهل طاعته ثُمَّ جعلها كلمة باقية في عقبهم آخر الدهر ، وأمر الله هو
شأنه .
قوله - جلَّ جلالُه - لزكريا - عليه السَّلام - قال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ
بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ
تَكُ شَيْئًا (9) . الكاف الأولى في قوله - عز وجل -: ( كَذَلِكَ) للتشبيه والتسوية بين
الحكمين في المشار إليه بقوله: ( كَذَلكَ) إلى ما عند زكريا - عليه السَّلام - من العلم بالله ،