وقد تقدم فيما مضى أن نون الجميع في القرآن كله المسماة بنون الربوبية
ونون الملوك إنما هي عبارة عما يديره ويحكم به ويأمر بأمره ، تنفذه الملائكة
وتفعله بإذنه وحوله وقوته ، فيكون التفرغ في حظ الملائكة الحافظين والشاهدين
على العباد وملائكة الجزاء ، وما يتناوله حكم اليوم الآخر بما فيه في يوم الجمع
وفصل الحكم ، وفي الجنة والنار من جنود الله ومن ملائكة رضوانه ومنفذي أحكام
انتقامه (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) وهذه الآلاء جمعت الملك
والملكوت ، وأحكام الدنيا والآخرة وما هو إليه المصير .
يقول الله - جل من قائل - يخاطب الثقلين: إن الملائكة الذين أمروا فيكم بما
أمروا به لم يأن لهم بعد ولم يتفرغوا بتنفيذ ما أمروا بالعمل فلو قد كان ذلك لتفرغنا
لكم ، كما قال: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) في أمثالها
من القرآن ، وقد مر بكم في أيام الدنيا وما أصاب سواكم فيمن هو منكم من
ضروب المثلات وأنواع الأخذ بالسيئات والحسنات (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(32) .
قوله - عز وجل -: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) . نظم هذه الآية بالتي قبلها ؛
خاطبهم في الأولى وهم في الدنيا يوعدهم بأسه ويحذرهم ما هم إليه صائرون ،
وناداهم في هذه الآية وهم بحيث صبرهم بالوعد من كونهم في عرضة الحكم في
اليوم المجموع له الناس ، واليوم المشهود وقوفًا ينتظرون ما قد فرغ إليه من شأنهم
ملائكته ، وما أنجز لهم من وعيده وتهديده .
يقول: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) هربًا من وقوع الجزاء بكم(فَانْفُذُوا لَا
تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)والسلطان هنا: هو الإيمان والعمل المرضي ، وأن وجه
الخطاب إلى المؤمنين فالنفوذ إلى الجنة ، وكانت كلمة"انفذوا"أولى من سواها ،
لإحداق الملائكة بهم ملائكة السماوات السبع سماء سماء من وراء الخليقة ،
وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ، لا منفذ لهم إلا على الصراط ولا يجوزه سالمًا
إلا كل ضامر مخف أو مغفور له ، وكما قربت النار للكافرين وسعرت لهم فكذلك
أزلفت الجنة للمتقين الذين هم عن النار مبعدون ، فهم لا يسمعون حسيسها .