فهرس الكتاب

الصفحة 2536 من 2809

وقد تقدم فيما مضى أن نون الجميع في القرآن كله المسماة بنون الربوبية

ونون الملوك إنما هي عبارة عما يديره ويحكم به ويأمر بأمره ، تنفذه الملائكة

وتفعله بإذنه وحوله وقوته ، فيكون التفرغ في حظ الملائكة الحافظين والشاهدين

على العباد وملائكة الجزاء ، وما يتناوله حكم اليوم الآخر بما فيه في يوم الجمع

وفصل الحكم ، وفي الجنة والنار من جنود الله ومن ملائكة رضوانه ومنفذي أحكام

انتقامه (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) وهذه الآلاء جمعت الملك

والملكوت ، وأحكام الدنيا والآخرة وما هو إليه المصير .

يقول الله - جل من قائل - يخاطب الثقلين: إن الملائكة الذين أمروا فيكم بما

أمروا به لم يأن لهم بعد ولم يتفرغوا بتنفيذ ما أمروا بالعمل فلو قد كان ذلك لتفرغنا

لكم ، كما قال: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) في أمثالها

من القرآن ، وقد مر بكم في أيام الدنيا وما أصاب سواكم فيمن هو منكم من

ضروب المثلات وأنواع الأخذ بالسيئات والحسنات (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(32) .

قوله - عز وجل -: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) . نظم هذه الآية بالتي قبلها ؛

خاطبهم في الأولى وهم في الدنيا يوعدهم بأسه ويحذرهم ما هم إليه صائرون ،

وناداهم في هذه الآية وهم بحيث صبرهم بالوعد من كونهم في عرضة الحكم في

اليوم المجموع له الناس ، واليوم المشهود وقوفًا ينتظرون ما قد فرغ إليه من شأنهم

ملائكته ، وما أنجز لهم من وعيده وتهديده .

يقول: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) هربًا من وقوع الجزاء بكم(فَانْفُذُوا لَا

تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)والسلطان هنا: هو الإيمان والعمل المرضي ، وأن وجه

الخطاب إلى المؤمنين فالنفوذ إلى الجنة ، وكانت كلمة"انفذوا"أولى من سواها ،

لإحداق الملائكة بهم ملائكة السماوات السبع سماء سماء من وراء الخليقة ،

وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ، لا منفذ لهم إلا على الصراط ولا يجوزه سالمًا

إلا كل ضامر مخف أو مغفور له ، وكما قربت النار للكافرين وسعرت لهم فكذلك

أزلفت الجنة للمتقين الذين هم عن النار مبعدون ، فهم لا يسمعون حسيسها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت