ثم جعل يسرد - جل ذكره - خلافهم وعتوهم وفعلهم في نبوتهم إلى قوله:
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) وما ذكر هذا - جلَّ جلالُه - منهم
وأمثاله لتعداد معائبهم ، لكن لنحذر على أنفسنا مثل ذلك ، وما نهى عن منهي
عنه ولا قص علينا لغيره قصصًا إلا أصابنا من ذلك ما شاءه كما كان ذلك
المحذور أيضًا في جملتهم ، فمنهم ومنا المعافى والمبتلى ، ولهذه الأمة من
فضل الله - جل وعز - أنهم عزروا نبيهم ووقروه ولم يواجهوه لمخالفة ، إنما
كان ما كان منهم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، ثم هذا أمر له ما بعده ، نسأل الله - جلَّ جلالُه - الثبات في
الأمر ، والعزيمة على الرشد ، ونضرع إليه في العفو والعافية .
قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ
إِلَيْكَ ... (143) . لما كلم الله - جل ذكره - نبيه موسى - عليه السَّلام - ألقى في
قلبه محبة رؤية من كان هذا كلامه فسأله إياها ، وكان سؤاله لرؤيته استعجالًا
منه لثواب المواعدة ، ولم يكن عنده علم بتخصيص الرؤية بالتأخر إلى لقاء الآخرة