بعد خروجه بالمن والأذى وفي وجود الدعوى ، وكما أن من الزرع ما تتم زريعته
وتكمل ثمرته ، ثم يهيج يصير حطامًا ، فكذلك من العلم والعمل بالكتاب ما يكمل
وتتم فوائده وإن تحطمت الأجسام بالبلى إلى أن يبعث ، وزريعته وفوائده تزدرع
وتغرس بعد تحطيم الجسم الذي كان عنه إلى يوم البعث ، وهو أيضًا مثل ضربه
للدنيا مع الآخرة فناء الدنيا وتحطمها بعد إيناعها وإيجادها ، ثم تأتي الآخرة بما فيها
كما يجيء الحول الآخر بعد بما فيه .
قوله - جلَّ جلالُه -: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ...(23)
يقول الله - جلَّ جلالُه - وهو أعلم بما ينزل: الله نزل أحسن الحديث من الكتاب المبين نزله
تنزيلًا حديثا أحسن حديث وأصدقه وأحكمه كتابًا ؛ يعني: القرآن ، متشابهًا ؛ يعني:
معانيه بمعاني الكتاب المبين وقد تقدم في المثل المتصل بهذا تشابه القرآن
بالكتاب المبين مثاني تنشئ معانيه على معاني ذلك ، والمشتبه المتشاكل تقاربت
أشكاله فأشكل على من رام التمييز بينه وبين ما يشابهه .
مثال ذلك: الشجر المتميز الأصول المتداخل ، وإن كان الشجر متباين
الأجناس كشجر الأعناب والزيتون والنخيل قرب التمييز بين الفروع ، وإذا كانت
الشجر من جنس واحد عسر التمييز بين الفروع والأفنان ، وإن تميزت الأصول
لتداخل الأفنان واشتباكها ، فكذلك معاني القرآن بمعاني موجودات الكتاب المبين
إلا لأولي الألباب ، وكذلك القرآن انقسم في نفسه إلى: محكم ومتشابه .
فمحكمه: كأصول الشجر في تمييز بعضه من بعض ، وهو الأقرب إلى أم
الكتاب .
قال الله - جل من قائل: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) ثم في
هذا التفصيل محكم ومتشابه ، ومن المتشابه مشتبه ومتميز غير مشكل ، فحكمه ذكر
الإلهية والوحدانية والأسماء والصفات وما عبر عن ذلك .
ومتشابهه: ما يفصل عن ذلك إلى ما يفصل منه كالماء أنزله منزلة ماء واحدًا
إلى الأرض ، ثُمَّ فصله بعد إلى ما فصله إليه ، فيبعد وجوده عن حقيقة الماء ،
ويتصف بأوصاف هي غير الماء ، فما انفصل إليه بحكم القرآن هو بمنزلة أفنان
الشجر الملتف المتداخل الأفنان عسير تمييز كل فنن من صاحبه الذي يجاوره ،