مدفن المؤمن في بطنها روضة من رياض الجنة ، ويكون مدفن الكافر في بطنها
حفرة من حفر النار ، كما قاله - جلَّ جلالُه - وأنبأ به: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60) .
(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) . هذه ثلاثة أمثال: مثل للعلم ، ومثل للعمل ،
ومثل للدنيا في الآخرة ، وكثير ما يضرب الله تعالى الأمثال بالوحي بالماء ينزله من
السماء بواسطة الملائكة ، وقد تقدم من ذلك إيماء يبعث الحريص على تطلبها إن
شاء الله .
يقول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . . . )
كذلك تنزيل الكتاب عما هو فيما هنالك ، كما قال - عز من قائل: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ
الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) . أي: علا عن أفهامكم ننزله إلى ما هو
عندكم كتابًا تكتبونه وتقرءونه ، وكذلك هو تنزيل عما هو كلام الله لا ينبغي لمخلوق
احتماله لولا تنزيله إياه إلى ما هو تلاوة لكم قرآنًا عربيًا تتلونه قراءة وتعملون
بمقتضاه ، فشبه إنزاله الماء من السماء بواسطة الملائكة الموكلين بالرياح والسحاب ،
وتقسيم الماء إلى الأرض ثم تفصيله من ذرى إلى ندى ، وإلى نبات على اختلافه ،
وجماد وحيوان وإنسان بصفات ذلك كله وإتباع وجوده ، وبما في ذلك من لطيف
الصنع وعجائب القدرة المفصلة المتممة لعجائب الملكوت بتنزيله كلامه العظيم
وكتابه الحكيم ، وإنزاله إياه بروح القدس إلى الروح من الأمر إلى روح المعارج إلى
الروح الأمين إلى قلب الرسول - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ثم إلى قلوب
المؤمنين ، ثم إلى ألسنتهم وجوارحهم بما يكون عن ذلك من تلاوة وقراءة وأعمال .
وقوله: (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) هو مثل للعلم ، معنى ذلك:
كذلك نسلكه في قلوب المؤمنين يابيع حِكَمٍ على ألسنتهم وجوارحهم ، ونخلطه
بلحومهم ودمائهم ، ثم نخرجه إعمالا بمقتضاه على جوارحهم ، وكما أن من الزرع
ما يهيج فيصفر قبل تمامه ، كذلك من العلم ما يبطل بالذهول والنسيان قبل إيراده ،
ولدعوى النفوس قد لا تتم فائدته ولا تكثر عائدته .
ومن العمل ما يبطل حال ، لفساد النيات وعدم تصحيح الإرادات ، وقد يبطل