فهرس الكتاب

الصفحة 2255 من 2809

مدفن المؤمن في بطنها روضة من رياض الجنة ، ويكون مدفن الكافر في بطنها

حفرة من حفر النار ، كما قاله - جلَّ جلالُه - وأنبأ به: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60) .

(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي

ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) . هذه ثلاثة أمثال: مثل للعلم ، ومثل للعمل ،

ومثل للدنيا في الآخرة ، وكثير ما يضرب الله تعالى الأمثال بالوحي بالماء ينزله من

السماء بواسطة الملائكة ، وقد تقدم من ذلك إيماء يبعث الحريص على تطلبها إن

شاء الله .

يقول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . . . )

كذلك تنزيل الكتاب عما هو فيما هنالك ، كما قال - عز من قائل: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ

الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) . أي: علا عن أفهامكم ننزله إلى ما هو

عندكم كتابًا تكتبونه وتقرءونه ، وكذلك هو تنزيل عما هو كلام الله لا ينبغي لمخلوق

احتماله لولا تنزيله إياه إلى ما هو تلاوة لكم قرآنًا عربيًا تتلونه قراءة وتعملون

بمقتضاه ، فشبه إنزاله الماء من السماء بواسطة الملائكة الموكلين بالرياح والسحاب ،

وتقسيم الماء إلى الأرض ثم تفصيله من ذرى إلى ندى ، وإلى نبات على اختلافه ،

وجماد وحيوان وإنسان بصفات ذلك كله وإتباع وجوده ، وبما في ذلك من لطيف

الصنع وعجائب القدرة المفصلة المتممة لعجائب الملكوت بتنزيله كلامه العظيم

وكتابه الحكيم ، وإنزاله إياه بروح القدس إلى الروح من الأمر إلى روح المعارج إلى

الروح الأمين إلى قلب الرسول - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ثم إلى قلوب

المؤمنين ، ثم إلى ألسنتهم وجوارحهم بما يكون عن ذلك من تلاوة وقراءة وأعمال .

وقوله: (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) هو مثل للعلم ، معنى ذلك:

كذلك نسلكه في قلوب المؤمنين يابيع حِكَمٍ على ألسنتهم وجوارحهم ، ونخلطه

بلحومهم ودمائهم ، ثم نخرجه إعمالا بمقتضاه على جوارحهم ، وكما أن من الزرع

ما يهيج فيصفر قبل تمامه ، كذلك من العلم ما يبطل بالذهول والنسيان قبل إيراده ،

ولدعوى النفوس قد لا تتم فائدته ولا تكثر عائدته .

ومن العمل ما يبطل حال ، لفساد النيات وعدم تصحيح الإرادات ، وقد يبطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت