وأحجارها اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، لا يشبه مسمى فيه مسمى هَاهُنَا إلا دلالة،
وإنه على تلك فما خلق من هذه - أعني: الجنة - كالذي خلق من هذه الأرض، مع
إرادة الله - جلَّ جلالُه - إياها وحبه لها ونظيره منها.
ولذلك يقول جلَّ قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا
عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) .
(وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(32) .
(فصل)
وصف - جلَّ جلالُه - السماوات بوصف فيه فخامة، وللنفوس إليه التفاتة؛ لحكمة الله - جلَّ جلالُه -
في ذلك بالغة وبلاغة فائقة، والعرض الترغيب في شهوات الآخرة، المعهود أنه متى
يوصل بين قرينين عظم أمر المغلوب ورفع قدره، والمراد من ذلك مدحة الغالب
وإظهار تفضيل الفاضل، كقول الشاعر:
وحليلِ غانِيَةٍ تَرَكت مُجَدَّلًا ... تَمكو فَرَائضهُ مكَاءَ الأَعلَمِ
بطَل كَأن ثيَابَهُ فِي سرحَةٍ ... يحْذَى نِغَالَ السِّبتِ ليس بِتَوءمِ
جَادت يَداي لَهُ بِمَارقِ طَعنة ... لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنا بِمُحَرَّم
فوصفه بالشجاعة والكرم وكمال الخلقة وأنه قتله، على ذلك أوقع - جلَّ جلالُه - ذكر
التزين على حب الشهوات، ولم يوقعه على الشهوات نفسها، لأن ذلك أبلغ، إذ لو
أوقعه على نفس الشهوات لم تزين في الغالب إلا لواحدها، وإنما أوقعه على حبها،
وذلك أعظم للمحنة وأشد الابتلاء، ولزم بذلك تزينها لواجدها وفاقدها، فهذا يشح
على ما في يديه، وهذا يطلبها وتتقطع نفسه عليها حسرات؛ ليكون التضايق
والتزاحم، ويقع التقاتل وتعظم الفتنة؛ ليكن الهرج.
قوله - جلَّ جلالُه: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16)
إلى قوله: (بِالْأَسْحَارِ) هذا من الفقه إنه من آمن