المعتمد بالاستدلال بقوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) حيث وقع الاعتبار البعيد ،
وإنما هو أن تنظر العين أو تسمع الأذن أو يعلم القلب ، ويعقله ، أي: يزمه على علم
يغير من ذلك إلى معبره وموضع شبهه ، ومن الاعتبار قريب وبعيد ، والموصوف
المضاف إلى العقل هو الأبعد ، ويعم اسم الاعتبار .
فمثال ذلك فيما هَاهُنَا: ما تقدم ذكره أن الله جل ذكره الواحد الأحد ينزل من
السماء ماء واحدًا ظاهرا مظهرًا يوجد عنه كل شيء حي ونبات وحيوان وغير ذلك ،
فهو على هذا واحد توحد عنه كل شيء حي ونبات وحيوان ، على أن ذلك الماء
منزَّل من ذلك الحيوان أو ما هو دار الحيوان فيه حكم وآية الكثرة ، وفي تلك الكثرة
الطاهر والطب والخبيث والرجس ، ثم (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(60) .
وفيه: إنه أنزل الماء من السماء فأخرج به من كل الجنات من نخيل وأعناب
وزرع ، وأجرى منه أنهارًا ، وسلك منه ينابيع في الأرض ، وفجر عنها عونًا لحكم
جنة يصيره إليها ، وهذه آيات وتنبيه لفطن العباد أنه أنزل من حيث ظاهر لباطن هي
جنات وأنهار وعيون وحيوان وولدان ونساء وخيل وأنعام ، وكل ما هَاهُنَا من
محمود فهو فيما هنالك أكرم وجودًا وأفضل ؛ إذ المشيئة بالشيء ليس من المعهود
إن لقاءه المشيئة به ، وكما يؤول الماء المنزل من السماء إلى ما هو جنات بما فيها
كذلك يؤول ما نزل منه وهو السماء إلى ما هي الجنات في الكون الآخر ، وهي من
الدار الآخرة ، هذا إلى ما في ذلك من الاختبار القريب من الأحلام بالإعادة بعد
البداية ، والرجوع إلى الله بعد الموت ، إلى غير ذلك .
أعقب ذلك تعجبًا من كفرانهم وجهلهم بالمعتبر الأقرب وتكذيبهم الآيات
البينات لظهورها قوله: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ ... (5) . يقول الله - جلَّ جلالُه -: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ(10) . أعقب ذلك
بالرجوع لما بيَّن - عز وجل - الآيات ، وأقام الشواهد مفصحات بالحق والعدل على الاعتبار
القريب والبعيد ، أعقب ذلك بالتعجب من جهلهم الموجود عن غفلتهم ، ثم قال جلَّ
قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)
أخبر الله الجليل جل ذكره بصدق إخباره عن الكفار أن الأغلال في أعناقهم الآن