ابتدعه أو فطره وفيما هو كسب لهم ، لأن ذلك بقدرته وبإذنه ، وهو الباطن فيه قطعًا ،
فوجب اليقين ، فإنه الأول في كل شيء والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ،
والحمد لله رب العالمين ، فقف على هذا - رحمنا الله وإياك ووفقنا لما يحبه
ويرضاه - فهو أصل في الوجد جليل قدره وقد جمعت ذلك كله كلمة واحدة
قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(77)
أمرهم - جل ذكره - بأن يمتثلوا عبادة الموجودات
لربها ركوعًا وسجودًا وقيامًا وقعودًا وشهادة وذكرًا وتلاوة واتفاقًا ودلالة
وعونًا ، هذه كلها عبادات المخلوقات ، وقد تقدمت إلى ذلك إشارات ، وأمرهم
مع ذلك بجهاد من خالف السبيل ورام تعويجها .
يقول - عز جلاله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ(78) . من بين الأمم(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ)القيم (مِنْ حَرَجٍ) بل هي الحنيفية السمحة (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) نصبها
على الإغراء بها ويصح أن يكون نصبها على القطع وعلى المدح ، وكل هذه
الوجوه تتوجه في ذلك (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الضمير الذي
في قوله:"هو"يجوز أن يكون عائدًا على إبراهيم - عليه السَّلام - بوجه ؛ لأنه أقرب مذكور إلى
الضمير ، ويجوز أن يكون عائدًا على اسم الله - جل ذكره - الشاهد على عوده
على إبراهيم قوله هو وإسماعيل - عليهما السلام: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) المعنى إلى آخره .
وأمَّا مرجوع الضمير على الله - جل ثناؤه - فقوله:(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ
قَبْلُ)أي: في الأزل ، وفي كتب الكتاب وإخراج القبضتين (وَفِي هَذَا)