أرأيتم ما أنفق منذ خلق السَّمَاوَات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يده شيئًا ؛
لهذا ونحوه قال جل من قائل: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(75) .
ثم ضرب المثل الآخر برجلين أحدهما أبكم عاجز (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ
كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ... (76) . وكل معول فهو كَلٌّ (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ)
إن دعاه عابده لم يستجب له ، وإن سأله لم يعطه ، وإن استنصره لم ينصره ، لا يسمع
ولا يبصر ولا يغني شيئا .
وقرأها عبد الله والأعمش:"أينما يوجَّه لا يأت"بفتح الجيم وبهاء واحدة ، فهذا
مثل للصنم والوثن وجميع المعبودات من دون الله ، ولما كان هذا المعهود أن يكون
من الآلهة المتخذة من دونه ما هو موصوف بالحياة كفرعون والدجال ، وكل داعٍ إلى
نفسه فرض ضرب المثل برجلين: أحدهما: مثل لما يوصف بحياة ، والآخر: بمن لا
يوصف بها ، وحدهما عند الإشارة إليهما بالضمير في قوله: (هو) إذ قد استويا في
عدم الغنى.
ثم قال وقوله الحق:(هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ)هذا هو الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، الإله الحق الخالق
الرزاق ، والقريب المجيب ، ولما جاء ما هو مثل له عز جلاله لم يجئ في ضميره تثنية
ولا جمع ، بل أبان وصفه الحق بقوله: (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ) يعني: المعبود دونه(وَمَنْ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)والإشارة في سر المراد بهذا الخطاب منتظمة
بقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1) .