الْآخِرَةِ) وقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) . وقوله:
(فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ
أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) . وإنما هو الله سبحانه سبق إلى عباده أنعمه كما
سبق إليهم هداية الفطرة ، فمن آمن وأصلح كانت عليه نعمًا ، ومن كفر عادت عليه
نقمًا .
قال الله عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) يريد من نعمة قبلهم(حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)من هدايتهم (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا) أي: من
الإضلال (فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ) إذا ضلوا عن هدايتهم (مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) .
رجع الكلام إلى أوله: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ
الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) . كل من عبد من دون الله لا يملك على التحقيق ضرًّا
ولا نفعًا ، وبخاصة الأوثان والأصنام ، ثم قال: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ...(13)
كان الدعاء في القسم الأول من العابد المعبود ، ومن حيث هو تابع كما
وصفه الله (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ(3) .
والدعاء هنا في الآية الثانية من المعبود العابد من حيث هو يدعو إلى نفسه ،
لكبره وعظم نفسه عنده ، يقول الله - جل ذكره - (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ)
إن كان هذا الداعي إلى نفسه يلتذ بالتبعية والغاشية ، فحمله أوزار من تبعه وأضله
إلى أوزاره أقرب من ذلك النفع وأشد بأسًا ، ثم قال وقوله الحق: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى)
تولاه يعني: الصنم والوثن والمعبود ما كان (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) هؤلاء
الأتباع والغاشية بئس ما عاشروا داعيتهم أصاروه حاملًا لأثقالهم وأثقالًا مع
أثقالهم .
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (14) . هذا قول من له دعوة الحق (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) هو
يملك النفع والضر ، ويرزق من السَّمَاوات والأرض ، لا إله إلا هو العلي الكبير ، لما
ذكر المجادل في الله الداعي إلى نفسه والتابعين له ومبلغ قدرهم ، وموالاة المتبوعين