وقال الله - جلَّ جلالُه -: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) . وقد وصف الواقعة بأنها(خَافِضَةٌ
رَافِعَةٌ)وأن ذلك اليوم: يوم التغابن .
قوله تعالى فيما حكاه عنها: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
الْمُرْسَلُونَ (35) . (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ...(36) . يعني: رسولها(قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ
فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ)إلى قوله:(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ
لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا. . . )ثبت من فعل سليمان - عليه السَّلام - وحكاية الله - جل
ذكره - ذلك عنه في معرض الرضا أن قبول الهدية من العدو المشرك رشوة على
الدين ، وخلاف لطاعة الله وخيانة لله - جل ذكره - وللمؤمنين .
قوله تعالى فيما حكاه عن عبده ونبيه سليمان - عليه السَّلام -: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ
يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) . أعلمه الله - جل ذكره - بأنهم
يأتونه مسلمين ، فأحب أن يبادر إقبالهم بكون العرش عنده ؛ ليجربها هل تكون من
المؤمنين كما هي من المسلمين أم لا ، فإذا آمنت وصدقت بأنه هو عرشها وأنه كيف
تهيأ انتقاله بعدها ، وقد خرجت عنه يوم خروجها وتركته ، والملوك لا يتعذر عليهم
الإعلام لهم بالقليل الخطر مما يجري في مماليكهم بعدهم ، فكيف بمثل هذه
العظيمة ؟! .
فيتحصل البيان من هذا كله عن سرعة النقلة أنه من المقدور الغائب ، فالإيمان
بالمقدور الغائب من وراء الإيمان بالمقدور الحاضر ؛ وإذ ذاك يكون مؤمنًا مسلمًا ،
وقد يتهيأ أن نعتقد بعد تحصيل ما تقدم أن يكون أحب تحصيله عنده قبل إتيانهم
إله مسلمين ليطيب له .
أتبع ذلك قوله: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) . العفريت: القوي ، الماهر ، الداهية ، المجرب ،
العاصي ، العاتي من الجن أو من الإنس ، وفي الحديث:"إن الله ليبغض العِفْرِيَةَ"
النِّفْرِيَةَ التي لم ترزأ في ماله ولا في جسمه"وقرأها عِيسَى بن عمر البصري وأبو"